الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛ فإن من أعظم نعم الله على العبد أن يهديه إلى الحق، وأن يرزقه الثبات عليه، ولا سيما حين تكثر الفتن، وتتداخل الأصوات، وتُعرض الشبهات في صورة العلم، وتُزيَّن المعاصي باسم الحرية والمتعة. وفي هذه الأحوال يحتاج المسلم إلى علم يهديه، وإيمان يحفظ قلبه، وصحبة صالحة تعينه على طاعة ربه.
وإن الدعوة إلى التمسك بالمنهج السلفي دعوة إلى اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وفهمهما على ما كان عليه الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان؛ فهم أقرب الناس إلى زمن التنزيل، وأعلم بمعاني الوحي، وأصدق في اتباعه. والمقصود بهذا الاتباع أن يستقيم اعتقاد المسلم وعبادته وأخلاقه على هدي النبوة، بعيدًا عن الغلو والجفاء والتعصب للأشخاص.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
ففي الآية وعيد على مخالفة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين، ودعوة إلى لزوم طريق الهدى.
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
«فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».
رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
وهذه وصية عظيمة بلزوم السنة والتمسك بها عند الاختلاف؛ فالثبات يكون بمعرفة الحق واتباعه، والرجوع إلى هدي النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم.
حقيقة الاتباع تظهر في حياة المسلم
إن صدق التمسك بمنهج السلف يظهر في إخلاص العبادة لله، والمحافظة على الصلاة، وتعظيم السنة، وتحري الحلال، والصدق في القول، وأداء الأمانة، والعدل مع الناس. ويظهر كذلك في بر الوالدين، وحسن العشرة، والرحمة بالصغير، وتوقير الكبير، وحفظ اللسان من الغيبة والبهتان.
ولا يكفي أن يرفع الإنسان شعار الاتباع ثم يخالفه في معاملاته؛ فالعلم الذي لا يثمر خشية، والدعوة التي يصحبها الظلم وسوء الخلق، يحتاج صاحبها إلى مراجعة نفسه. والواجب أن يعرض المسلم أقواله وأعماله على الدليل، وأن يقبل الحق ممن جاء به، وألا يجعل محبته لشخص سببًا في قبول خطئه، أو خلافه معه سببًا في رد صوابه.
ومن لوازم هذا الطريق التواضع للحق، والتثبت قبل الحكم، ومعرفة قدر النفس؛ فلا يتصدر المرء لما لا يحسن، ولا يتكلم في دين الله بغير علم، ولا يحوِّل مسائل الاجتهاد المعتبر إلى أسباب للتباغض والتقاطع.
الشبهات تفسد التصور وتضعف اليقين
الشبهة قول يلتبس فيه الحق بالباطل، وقد تدخل على القلب من مقطع قصير، أو منشور مجهول، أو كلام مزخرف يصدر عن إنسان لا يعرف أصول العلم. وربما حملت صاحبها على التشكيك في السنة، أو تحريف معاني النصوص، أو تقديم الهوى على الوحي.
والوقاية منها تبدأ بتعلم أصول الإيمان والتوحيد، ومعاني القرآن، وما يحتاج إليه المسلم من أحكام دينه، على أيدي أهل العلم المعروفين بالعلم والأمانة. فمن عرف أصول الحق كان أقدر على تمييز الخطأ، ومن جمع المعلومات المتفرقة بلا تأصيل كان أسرع إلى الاضطراب.
وليس من الحكمة أن يجعل المسلم قلبه معرضًا لكل شبهة، ثم يظن أنه قادر على دفعها بلا علم. كما أن ورود سؤال أو إشكال على النفس لا يعني فساد إيمان صاحبها؛ وإنما عليه أن يسأل، ويتثبت، ويطلب البيان، وألا يستسلم للوساوس أو يخجل من طلب الجواب.
فإذا أشكل عليك أمر، فارجع إلى أهل العلم، واطلب الدليل، واقرأ الكلام كاملًا، وتثبت من صحة النقل. ولا تجعل كثرة المتابعين، أو قوة الأسلوب، أو شهرة المتحدث ميزانًا لصحة ما يقول.
الشهوات تضعف الإرادة وتصد عن الطاعة
وكما يحتاج العقل إلى حماية من الشبهات، يحتاج القلب إلى مجاهدة أمام الشهوات. والمقصود التحذير من الشهوات المحرمة، ومن اتباع الهوى الذي يصد عن الواجبات؛ أما ما أباحه الله من الطيبات فهو من فضله على عباده.
وقد يعرف الإنسان الحق، لكنه يؤخر العمل به استجابة لرغبة عابرة، حتى يألف التقصير ويستثقل الطاعة. تبدأ الغفلة أحيانًا بنظرة محرمة، أو علاقة لا ترضي الله، أو مال مشتبه، أو تساهل في الصلاة، ثم تتسع إن لم يتداركها العبد بالتوبة.
ومن وسائل الوقاية أن يحفظ المسلم بصره وسمعه، وأن يبتعد عن أسباب المعصية، وأن يملأ وقته بما ينفعه، وأن يصحب من يذكره بالله. والمحافظة على الصلاة، وقراءة القرآن بتدبر، وذكر الله، ومحاسبة النفس، أعمال تجدد الإيمان وتعين على مقاومة الهوى.
وإذا وقع العبد في الذنب، فلا ييأس ولا يؤخر التوبة؛ بل يقلع عنه، ويندم عليه، ويعزم على عدم العودة، ويرد الحقوق إلى أصحابها إن تعلق الذنب بحقوق الناس. فالمؤمن يجاهد نفسه، ويعود إلى ربه كلما زل، ولا يجعل ضعفه مبررًا للاستمرار في المعصية.
العلم والرفق وحسن الخلق من أسباب الثبات
يا من تريد الاستقامة، ابدأ بما أوجب الله عليك، وتعلم دينك بتدرج، واجعل لك نصيبًا ثابتًا من القرآن والعلم النافع. لا تستعجل التصدر، ولا تستغرق في الخصومات حتى تضيع عبادتك، ولا تجعل متابعة الردود بديلًا عن بناء نفسك.
وادعُ الناس بالحكمة والرحمة، وبيّن الخطأ بعلم وعدل، وميّز بين الحكم على القول والحكم على قائله. واحذر التسرع في التكفير والتبديع، فهذه أبواب لها ضوابط، ولا يجوز أن تتحكم فيها الخصومات والانفعالات.
ومن أحب هداية الناس صبر على تعليمهم، وراعى أحوالهم، وأعانهم على التوبة. والرفق لا يمنع بيان الحق، كما أن بيان الحق لا يبيح الظلم أو الإهانة. فاجمع بين قوة الدليل ورحمة الخطاب، وبين الثبات على السنة والعدل مع الخلق.
يا عبد الله، إن أيام العمر تمضي، وما ينفعك عند لقاء ربك هو صدق إيمانك وصلاح عملك. فتمسك بالوحي، وتعلم سبيل السلف، واحرس قلبك من الشبهات، وجاهد نفسك عن الشهوات المحرمة. واجعل انتسابك إلى هذا المنهج مسؤولية تحملك على مزيد من الاستقامة والتواضع والأمانة وحسن الخلق.
اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، وارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا هداة مهتدين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي، حفظه الله تعالى.