الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
آخر الأخبار

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد؛ ففي خضم التغيرات المتسارعة، وما يحيط بالناس من اضطراب وفتن ومخاوف، يحتاج المسلم إلى أن يقف مع نفسه وقفة صدق، يسأل فيها: كيف صلتي بالله؟ وهل أنا ثابت على ديني؟ وماذا أعددت لليوم الذي أخرج فيه من الدنيا، وأترك وراء ظهري كل ما شغلني وألهاني؟

إن كثرة الأخبار لا ينبغي أن تنسينا مصيرنا، والانشغال بما يجري حولنا لا ينبغي أن يحجب عنا ما يجري في قلوبنا. فقد يعرف الإنسان أحوال العالم، ويتابع تفاصيل الأحداث، وهو غافل عن صلاته، مقصر في حقوق ربه، مؤخر لتوبته، كأنه يملك ضمانًا بأن يعيش إلى الغد.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].

فانظر، يا عبد الله، إلى ما قدمت لآخرتك؛ فإن الأيام التي تمضي من عمرك لا تعود، وإن الفرصة التي بين يديك اليوم قد لا تجدها غدًا.

حين تشتد الفتن، اشتد تمسكًا بدينك

إن المسلم أحوج ما يكون عند الفتن إلى الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وفهمهما على هدي الصحابة ومن تبعهم بإحسان، وإلى الرجوع لأهل العلم، والبعد عن الشبهات والشهوات التي تضعف إيمانه وتصرفه عن طاعة ربه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال:

«بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ».

رواه مسلم (١١٨)

فبادروا إلى الطاعة قبل أن تنشغلوا عنها، وإلى التوبة قبل أن تعجزوا عنها، وإلى إصلاح القلوب قبل أن تستحكم فيها الغفلة. لا تنتظر حتى تهدأ الدنيا لتستقيم؛ فقد تستمر اضطراباتها وينتهي عمرك.

حافظ على صلاتك، وإن شغلتك همومك. وتحَرَّ الحلال، وإن ضاقت عليك معيشتك. واصدق، وإن أغراك الكذب بمصلحة عاجلة. واحفظ لسانك، وإن كثر حولك الخوض والبهتان. فإن الثبات على الدين يظهر في هذه المواقف، حين تقدم رضا الله على رغبات نفسك.

موت الفجأة تذكير بقصر الأمل

وقد ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، في ذكر اقتراب الساعة، قول النبي ﷺ:

«وَأَنْ يَظْهَرَ مَوْتُ الْفَجْأَةِ». رواه الطبراني في «المعجم الأوسط» (٩٣٧٦)، وقال الشيخ الألباني عن هذه الزيادة في «السلسلة الصحيحة» (٥/٣٧٠): «هذه الزيادة في مرتبة الحسن إن شاء الله». 

وهذا يوقظ القلب إلى ضرورة الاستعداد، مع بقاء وقت الساعة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه؛ فلا نحدد لها موعدًا، ولا نجزم بأن كل حادثة نراها هي تحقق لعلامة بعينها.

وكم من إنسان خرج من بيته وهو يرجو العودة، فلم يعد! وكم من إنسان نام وله مواعيد وأعمال، ولم يستيقظ! وكم من إنسان كان يؤجل التوبة، فإذا بالموت يقطع عليه أمله قبل أن يفعل ما كان يعد به نفسه!

ولا نحكم على من مات فجأة بسوء الخاتمة؛ فالله أعلم بأحوال عباده وسرائرهم. وإنما نأخذ العبرة لأنفسنا: أن الموت قد يأتي بغير مرض طويل، وبغير مهلة نرتب فيها ما أهملناه.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].

فلا تغتر بشبابك، ولا بصحتك، ولا بقوة بدنك؛ فإن هذه نعم تستوجب الشكر، وليست عهدًا بطول البقاء.

لا تؤخر التوبة

يا من تقول: سأتوب حين تتحسن ظروفي، وحين أنتهي من مشاغلي، وحين أكبر؛ من أخبرك أنك ستدرك ذلك الوقت؟

إن التوبة لا تحتاج إلى موعد بعيد، وإنما تحتاج إلى قلب يصدق مع الله، ويقلع عن الذنب، ويندم عليه، ويعزم على تركه، ويرد حقوق الناس إن كانت عليه مظالم.

قال الله تعالى:

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ۝ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠–١١].

تأمل هذا التمني عند حضور الموت: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وأنت اليوم تستطيع أن تتصدق، وأن تصلي، وأن تستغفر، وأن تصل رحمك، وأن ترد المظلمة، وأن تبدأ صفحة صادقة مع ربك؛ فاغتنم قدرتك قبل زوالها.

كم من كلمة جارحة تستطيع اليوم أن تعتذر عنها، وكم من حق تستطيع أن تعيده إلى صاحبه، وكم من خصومة تستطيع أن تطفئها بالعدل والإحسان. فلا تحمل إلى قبرك مظالم كان يمكنك أن تتخلص منها في حياتك.

اجعلوا بيوتكم مواضع إيمان ورحمة

وفي زمن الفتن، يحتاج الأبناء إلى من يعلمهم الدين برفق، ويربط قلوبهم بالله، ويكون لهم قدوة في الصلاة والصدق وحسن الخلق. فلا تكفينا الوصايا إن كانت أعمالنا تخالفها، ولا يكفينا الخوف عليهم إن لم نصبر على تربيتهم.

اجعلوا في بيوتكم نصيبًا من القرآن والذكر، وأقيموا الصلاة، وتعاونوا على الخير، وأحسنوا إلى أزواجكم وأولادكم ووالديكم. فإن التمسك بالدين يشمل العبادة والمعاملة، ويجمع بين تعظيم حق الله وأداء حقوق عباده.

ولا تجعلوا الخوف من المستقبل يقطع رجاءكم في الله؛ فالمؤمن يأخذ بالأسباب، ويسعى في رزقه، ويصلح شؤونه، وقلبه متعلق بربه، يرجو رحمته ويخشى معصيته.

ما زال باب الرجوع مفتوحًا

يا عبد الله، ما دمت حيًّا فإن أمامك فرصة ثمينة. لا تجعل ماضيك يحبسُك عن التوبة، ولا تجعل كثرة ذنوبك تدفعك إلى اليأس.

قال الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].

ارجع إلى الله اليوم. أصلح صلاتك، وطهر مكسبك، واحفظ لسانك، ورد الحقوق، واستغفر من ذنوبك. اجعل لما تسمعه من أخبار الموت أثرًا في حياتك، حتى تزيدك توبة واستقامة ورحمة بالناس.

فالراحل الذي ندعو له اليوم كان بالأمس بين أهله، له آمال ومشاغل كما لنا. وسيأتي يوم نحتاج فيه نحن إلى الدعاء، وينقطع عملنا، ولا يبقى معنا إلا ما قدمنا.

اللهم ثبتنا على دينك حتى نلقاك، وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا توبة نصوحًا، وقلوبًا خاشعة، وأعمالًا صالحة، واختم لنا بخير، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي، حفظه الله تعالى.