الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
ضيف الموقع

 

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم يقوم الناس لرب العالمين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنَّ من أجلِّ نعم الله تعالى على هذه الأمة أن قيَّض لسنة نبيها صلى الله عليه وسلم رجالًا أفذاذًا، نذروا أعمارهم لحفظها، وجمعها، وتمييز صحيحها من سقيمها، والذب عنها، وكشف كذب الوضاعين، وأوهام المخطئين، حتى بقيت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظةً بحفظ الله تعالى لهذا الدين.

وكان في مقدمة هؤلاء الأئمة الحافظ الناقد، أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، صاحب «الجامع الصحيح»، الذي تلقته الأمة بالقبول، وشهد له أئمة العلم بالحفظ والإمامة والدقة والتحري.

ولم يكن الإمام البخاري مجرد جامعٍ للأحاديث، بل كان إمامًا في العقيدة، والفقه، والعلل، والرجال، والتاريخ، ومعرفة اختلاف الروايات، وفقه التراجم، والاستنباط من النصوص. وقد جمع الله تعالى له بين قوة الحفظ، وسعة الرحلة، ودقة النقد، وصحة الاعتقاد، وشدة الورع، والصدق والإخلاص.

وقد ظهرت في هذا العصر كتابات وشبهات ترمي إلى الطعن في الإمام البخاري وفي كتابه الصحيح، وأكثرها ناشئ عن الجهل بطريقة المحدثين في الرواية، وعدم معرفة معنى الإسناد، والسماع، والمقابلة، والنسخ، والروايات المتعددة للكتاب. فرأيت أن أكتب هذه الدراسة؛ تعريفًا بهذا الإمام الجليل، وبيانًا لمنزلته، وكشفًا لمنهجه، ودفاعًا علميًّا عن «صحيحه»، وردًّا على أبرز الشبهات المثارة حوله.

وسأسير في هذا الكتاب على منهج أهل السنة والجماعة، معتمدًا على المصادر المسندة، وكتب التراجم، ومصنفات أئمة الحديث والنقد، بعيدًا عن الغلو والتعصب، ملتزمًا الإنصاف، والتحقيق، والتوثيق، وحسن الأدب مع أئمة الإسلام.

وأسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لطلبة العلم، وذخيرةً لكاتبه وقارئه، وأن يجزي الإمام البخاري وسائر أئمة السنة عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى

الباب الأول

عصر الإمام البخاري ونشأته العلمية

الفصل الأول

اسمه ونسبه ومولده

هو الإمام الحافظ الكبير، أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه الجعفي مولاهم، البخاري رحمه الله تعالى.

ونُسب إلى مدينة بُخارى، وهي من أشهر مدن بلاد ما وراء النهر، وقد كانت في عصره من حواضر العلم والمعرفة، خرج منها عدد كبير من العلماء والمحدثين والفقهاء.

وُلد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة، لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة أربع وتسعين ومائة للهجرة.

نشأ يتيم الأب؛ فقد توفي والده إسماعيل وهو صغير، فتولت والدته الصالحة تربيته ورعايته، وأحسنت تنشئته، وكان لذلك أثر عظيم في صلاحه، وطلبه للعلم، وعلو همته.

وكان والده إسماعيل بن إبراهيم من أهل الحديث والصلاح والورع، وقد لقي الإمام مالك بن أنس، وصافح عبد الله بن المبارك، وروى عن جماعة من العلماء. ونُقل عنه عند موته أنه قال: «لا أعلم في مالي درهمًا من حرام ولا درهمًا من شبهة». فنشأ الإمام البخاري في بيتٍ عُرف بالدين والورع والعناية بالحديث.

الفصل الثاني

بداية طلبه للعلم

ظهرت على الإمام البخاري علامات النجابة وقوة الحفظ منذ صغره، فأقبل على حفظ الحديث ومعرفة رواته، وبدأ في طلب العلم وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره.

ولم يكن حفظه حفظًا مجردًا لألفاظ الأحاديث، بل كان يحفظ الأسانيد، ويعرف أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم وبلدانهم وطبقاتهم، ويقف على أوهامهم واختلاف رواياتهم.

وقد سُئل رحمه الله عن بداية أمره، فذكر أنه أُلهم حفظ الحديث وهو في الكُتَّاب، وكان عمره يومئذ نحو عشر سنين أو أقل. ثم أخذ يختلف إلى شيوخ بلده، ويصحح لبعضهم ما يقع في رواياتهم من أخطاء، مع صغر سنه.

وكان من دلائل نبوغه المبكر أنه حفظ مصنفات عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح، وعرف أقوال الصحابة والتابعين وهو ما يزال فتى.

واجتمع له منذ صغره ثلاثة أمور عظيمة:

قوة الحفظ.

صدق الطلب.

شدة العناية بالإسناد ومعرفة الرجال.

فكانت هذه الصفات أساس إمامته التي شهد بها علماء عصره ومن جاء بعدهم.

الفصل الثالث

رحلته إلى مكة وبداية طلبه الواسع للحديث

لما بلغ الإمام البخاري رحمه الله تعالى السادسة عشرة من عمره، خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج. وبعد انتهاء الحج رجعت أمه وأخوه إلى بلدهما، وأقام هو بمكة مجاورًا للبيت الحرام، طالبًا للعلم، ملازمًا لحلق المحدثين والفقهاء.

وكانت إقامته في مكة بداية مرحلة جديدة من حياته العلمية؛ إذ انتقل من طلب العلم في بلده إلى الرحلة في طلب الحديث، وهي سنة معروفة عند أئمة السلف، فقد كانوا يقطعون المسافات البعيدة من أجل سماع حديث واحد، أو لقاء شيخ حافظ، أو مقابلة رواية برواية أخرى.

وسمع الإمام البخاري في مكة من جماعة من كبار العلماء، وأخذ يتوسع في معرفة الأسانيد والرجال والعلل. ولم يكن همه مجرد جمع الأحاديث، بل كان يعتني بمعرفة مراتب الرواة، وتواريخ ولادتهم ووفياتهم، وبلدانهم، وشيوخهم وتلاميذهم، ومواضع اتفاق الروايات واختلافها.

وفي مكة شرع في تأليف كتابه «التاريخ الكبير»، وكان لا يزال شابًّا. وهذا يدل على بلوغه منزلة متقدمة في معرفة الرجال والأنساب والعلل؛ لأن التصنيف في تاريخ الرواة لا يقدر عليه إلا من جمع علمًا واسعًا بأحوال النقلة وطبقاتهم.

وقد ذكر رحمه الله أنه صنف «التاريخ الكبير» عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة. وليس المراد أنه كان يعتمد على حفظ أسماء الرجال فقط، بل كان يجمع الروايات، ويوازن بينها، ويرتب أسماء الرواة، ويكشف مواضع الاشتباه في الأسماء والأنساب والكنى.

وهكذا اجتمع للإمام البخاري منذ شبابه علمان عظيمان:

علم الرواية وجمع الأحاديث.

علم الدراية والنقد ومعرفة أحوال الرواة.

وهذان العلمان هما الأساس الذي قام عليه منهجه في تأليف «الجامع الصحيح».

الفصل الرابع

رحلاته في طلب الحديث

لم يكتف الإمام البخاري بالإقامة في مكة، بل رحل إلى كثير من حواضر العالم الإسلامي، طالبًا للحديث، باحثًا عن الأسانيد العالية، حريصًا على لقاء الحفاظ والنقاد.

فرحل إلى المدينة النبوية، ومكة، والبصرة، والكوفة، وبغداد، وواسط، وبلخ، ومرو، ونيسابور، والري، ومصر، والشام، والجزيرة، وغيرها من بلاد الإسلام.

وكان يكرر الرحلة إلى البلد الواحد أكثر من مرة؛ لأنه قد يسمع في الرحلة الأولى من بعض الشيوخ، ثم يبلغه قدوم شيخ آخر، أو ظهور أصل حديثي جديد، أو وجود روايات تحتاج إلى المقابلة والتحقيق، فيعود إلى ذلك البلد مرة أخرى.

وتكشف هذه الرحلات عن علو همته وشدة صبره؛ إذ لم تكن الرحلة في ذلك الزمان سهلة ميسرة، بل كانت محفوفة بالمشقة والخوف وقلة الزاد، ومع ذلك صبر الإمام البخاري على السفر والغربة من أجل حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكانت رحلاته تحقق له فوائد علمية متعددة، منها:

لقاء كبار المحدثين والنقاد.

سماع الحديث من طرق مختلفة.

تحصيل الأسانيد العالية.

مقابلة الروايات بعضها ببعض.

معرفة أوهام الرواة واختلاف ألفاظهم.

الوقوف على أحوال الرواة في بلدانهم.

معرفة طبقات الشيوخ والتلاميذ.

التمييز بين الأسماء والكنى والأنساب المتشابهة.

جمع المادة العلمية التي بنى عليها كتبه في الحديث والرجال والعلل.

ولهذا لم يكن «صحيح البخاري» وليد مطالعة محدودة أو اعتماد على صحيفة مجهولة، وإنما كان ثمرة رحلة علمية واسعة، وسماع مباشر من عدد كبير من أئمة عصره، ونقد دقيق للروايات والأسانيد.

دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين.

الفصل الخامس

شيوخ الإمام البخاري

سمع الإمام البخاري رحمه الله من عدد كبير من العلماء، وقد بلغ شيوخه أكثر من ألف شيخ، كما نُقل عنه أنه قال: «كتبت عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث».

والمقصود بصاحب الحديث هنا من كان معروفًا بالعناية بالسنة والإسناد، معتقدًا أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ وهذا يدل على أن الإمام البخاري لم يكن يفصل بين علم الحديث وصحة الاعتقاد.

ومن أشهر شيوخه:

الإمام علي بن المديني.

الإمام أحمد بن حنبل.

يحيى بن معين.

إسحاق بن راهويه.

الحميدي عبد الله بن الزبير.

قتيبة بن سعيد.

محمد بن يوسف الفريابي.

أبو نعيم الفضل بن دكين.

آدم بن أبي إياس.

عبد الله بن يوسف التنيسي.

مسدد بن مسرهد.

سليمان بن حرب.

أبو عاصم النبيل.

مكي بن إبراهيم.

محمد بن سلام البيكندي.

وقد تنوع شيوخه من حيث البلدان والطبقات والتخصصات؛ فمنهم الحافظ الناقد، ومنهم الفقيه، ومنهم العالم بالرجال، ومنهم العارف بالعلل، ومنهم من عُرف بعلو الإسناد.

وكان أعظم شيوخه أثرًا في تكوين شخصيته الحديثية الإمام علي بن المديني رحمه الله، حتى قال البخاري: «ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني».

وكان علي بن المديني من أعظم أئمة العلل ومعرفة اختلاف الأسانيد، فانتفع الإمام البخاري بعلمه ومنهجه النقدي انتفاعًا عظيمًا.

كما لازم إسحاق بن راهويه، وكانت كلمته سببًا ظاهرًا في توجّه البخاري إلى تصنيف كتابه الصحيح؛ إذ قال إسحاق لتلاميذه: «لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال البخاري رحمه الله: «فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح».

الفصل السادس

تلاميذ الإمام البخاري

كما أخذ الإمام البخاري العلم عن كبار أئمة عصره، فقد أخذ عنه عدد عظيم من المحدثين وطلبة العلم. وانتشر ذكره في الأمصار، واجتمع عليه الناس لسماع الحديث والاستفادة من علمه.

ومن أشهر تلاميذه:

الإمام مسلم بن الحجاج صاحب «الصحيح».

أبو عيسى الترمذي صاحب «الجامع».

أبو حاتم الرازي.

أبو زرعة الرازي.

محمد بن نصر المروزي.

ابن خزيمة.

صالح بن محمد جزرة.

أبو بكر بن أبي داود.

محمد بن يوسف الفِرَبْري، أشهر رواة «الجامع الصحيح».

إبراهيم بن معقل النسفي.

حماد بن شاكر.

منصور بن محمد البَزْدَوي.

وكان الإمام مسلم رحمه الله شديد التعظيم للبخاري، عارفًا بعلو منزلته في الحديث والعلل. وقد انتفع بمنهجه، وإن كان لكل واحد منهما طريقته الخاصة في التصنيف والترتيب.

أما محمد بن يوسف الفِرَبْري، فهو أشهر من روى «الجامع الصحيح» عن الإمام البخاري. وليس معنى ذلك أن الفربري كان الراوي الوحيد للكتاب عن البخاري، بل روى «الصحيح» عنه عدد من تلاميذه، غير أن رواية الفربري كانت أوسع الروايات انتشارًا، وتناقلها العلماء بالسماع والإجازة والمقابلة.

الفصل السابع

قوة حفظ الإمام البخاري ودقة نقده

جمع الله للإمام البخاري بين قوة الحفظ، وسرعة الاستحضار، ودقة الفهم، ومعرفة العلل. ولم تكن منزلته قائمة على كثرة المحفوظ وحدها، بل على قدرته على التمييز بين الروايات، ومعرفة الخطأ الخفي الذي قد يقع فيه الراوي الثقة.

وكان يحفظ أسماء الرواة وأنسابهم وكناهم وشيوخهم وتلاميذهم، ويعرف الطرق المختلفة للحديث الواحد، ويميز بين الألفاظ المحفوظة والألفاظ التي وقع فيها الوهم.

ومن أشهر ما رُوي في قوة حفظه أن علماء بغداد اجتمعوا لاختباره، فعمدوا إلى مائة حديث، وقلبوا أسانيدها ومتونها، فجعلوا متن هذا الحديث لإسناد حديث آخر، ثم ألقوها عليه.

فكان كلما سمع حديثًا منها قال: «لا أعرفه». فلما انتهوا من عرض الأحاديث، أعاد لكل واحد منهم الأحاديث التي ألقاها عليه بأسانيدها المقلوبة، ثم رد كل متن إلى إسناده الصحيح.

ولم يتعجب العلماء من حفظه للأحاديث الصحيحة فحسب، وإنما تعجبوا من حفظه للأحاديث المقلوبة على ترتيب إلقائهم لها، ثم من قدرته على تصحيحها ورد كل حديث إلى موضعه.

وهذه الحادثة، وإن كانت مشهورة في كتب التراجم، لا ينبغي أن يكون الاعتماد في إثبات إمامته عليها وحدها؛ فإن كتبه وتصانيفه، وأحكام كبار النقاد عليه، وثناء شيوخه وتلاميذه، كلها شواهد ثابتة على عظيم حفظه ودقة نقده.

وهذه الشهادات صادرة عن أئمة كبار عرفوا مراتب الحفاظ، وخبروا الأسانيد والرواة، ولذلك كانت شهادتهم له مبنية على العلم والاختبار، لا على مجرد المحبة أو الشهرة.

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل».

وقال علي بن المديني رحمه الله: «لم ير البخاري مثل نفسه».

وقال ابن خزيمة رحمه الله: «ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري».

الكلمة الشهرية
التصدّر قبل الرسوخ في العلم وأثره على الشباب والدعوة

فيا أيها الشباب المبارك، ويا طلاب العلم، اتقوا الله تعالى في أنفسكم، واعلموا أنَّ العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم، ....

أقرأ المزيد
القائمة البريدية