إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، الذي شرع لعباده من الأحكام ما تصلح به أحوالهم، وتستقيم به أسرهم، وتحفظ به حقوقهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحكم وإليه المرجع والمآب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وبيَّن للناس أحكام دينهم، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد:
فإنَّ الزواج ميثاقٌ غليظ، جعله الله تعالى سبيلًا إلى السكن والمودَّة والرحمة، فقال سبحانه:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21].
والأصل في الحياة الزوجية أن تقوم على المعاشرة بالمعروف، والصبر، والتغاضي عن الزلات، وبذل أسباب الإصلاح، وألَّا يُصار إلى إنهاء عقد الزواج عند أول خلاف أو عارض؛ فإنَّ البيوت لا تخلو من نقص، والنفوس لا تسلم من التقصير.
غير أنَّ الخلاف قد يشتد، والشقاق قد يستحكم، وتتعذر وسائل الإصلاح، فشرع الله الطلاق مخرجًا من حياةٍ أصبحت فيها العشرة متعذرة، والمصالح مهدرة، والحقوق مضيعة. ولم يجعل الإسلام الطلاق بابًا للفوضى والانتقام، وإنما أحاطه بأحكام وضوابط تحفظ للزوجين حقوقهما، وتمنع الظلم والاعتداء.
وقد عظمت الحاجة في هذا العصر إلى بيان أحكام الطلاق؛ لكثرة التسرع فيه، وجهل كثير من الأزواج بألفاظه وآثاره، واستعماله في الغضب والتهديد والمزاح، وإرسال ألفاظه عبر الرسائل والهواتف ووسائل التواصل، فضلًا عن كثرة الفتاوى المتعجلة التي تصدر ممن لم يتأهل للنظر في هذه المسائل الدقيقة.
ومن أخطر الأخطاء أن يُجعل الطلاق سلاحًا يرفعه الزوج كلما غضب، أو وسيلة لإرهاب الزوجة وإذلالها؛ فإنَّ الطلاق حكم شرعي تترتب عليه آثار عظيمة تتعلق بالأسرة والأنساب والعدد والنفقات والحضانة، فلا يجوز للمسلم أن يتلاعب بألفاظه أو يقدم عليه دون علم وروية.
ومن هنا جاءت هذه الرسالة المختصرة، لبيان أهم مسائل الطلاق التي يحتاج إليها المسلم، بأسلوب واضح بعيد عن التطويل الممل والاختصار المخل، مع الاعتماد على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وفهم الصحابة والسلف الصالح، والاستفادة من كلام أئمة أهل السنة والفقه والتحقيق.
ولا يُقصد بهذا الكتاب الاستغناء عن سؤال أهل العلم في الوقائع المعينة؛ لأنَّ قضايا الطلاق تختلف باختلاف الألفاظ، والأحوال، ودرجة الغضب، والقصد، والقرائن المحيطة بكل واقعة. وقد تكون الكلمة واحدة، ويختلف الحكم باختلاف حال قائلها والظروف التي صدرت فيها؛ ولذلك لا يجوز إصدار الحكم في طلاق شخص بعينه قبل سماع كلام الزوج، والتحقق من الواقعة تحققًا دقيقًا.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الأزواج والأسر، وأن يصلح أحوال المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويجنبهم الظلم والتسرع والندامة، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.
منهج الكتاب
يقوم هذا الكتاب على جملة من الأصول:
الاعتماد على نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة.
فهم الأدلة في ضوء ما جاء عن الصحابة والسلف الصالح.
عرض أهم الأقوال الفقهية مع ترجيح ما يظهر رجحانه بالدليل.
العناية بالمسائل التي يكثر وقوعها بين الناس.
التفريق بين الحكم العام والفتوى في الواقعة المعينة.
التحذير من التسرع في إطلاق الطلاق أو الحكم بوقوعه.
تجنب المسائل النادرة والتفريعات التي لا يحتاج إليها عامة المسلمين.
بيان الأخطاء المعاصرة المتعلقة بالطلاق عبر الهاتف والرسائل ووسائل التواصل.
خطة الكتاب
ينتظم الكتاب في الأبواب الآتية:
الباب الأول: حقيقة الطلاق ومشروعيته وحِكَمه.
الباب الثاني: أركان الطلاق وشروط وقوعه.
الباب الثالث: ألفاظ الطلاق الصريحة والكناية.
الباب الرابع: الطلاق السُّني والطلاق البدعي.
الباب الخامس: طلاق الغضبان والمكره والفاقد للإدراك.
الباب السادس: الطلاق المعلق والحلف بالطلاق.
الباب السابع: الطلاق بالكتابة والهاتف ووسائل التواصل.
الباب الثامن: عدد الطلقات والطلاق الثلاث.
الباب التاسع: الرجعة والعدة وأهم الأحكام المترتبة على الطلاق.
الباب العاشر: الخلع والفسخ والفرق بينهما وبين الطلاق.
الباب الحادي عشر: الأخطاء الشائعة في باب الطلاق.
خاتمة جامعة للوصايا والأحكام.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الأول
حقيقة الطلاق ومشروعيته وحِكَمه
الفصل الأول: تعريف الطلاق
الطلاق في اللغة مأخوذ من الإطلاق، وهو الإرسال ورفع القيد. يقال: أطلقت الأسير إذا حللت قيده وخليت سبيله.
وأمَّا في الاصطلاح الفقهي فهو: حلُّ عقد النكاح بلفظ الطلاق أو بما يقوم مقامه، على الوجه المعتبر شرعًا.
والمقصود بحل عقد النكاح إنهاء الرابطة الزوجية، إمَّا إنهاءً يمكن للزوج بعده مراجعة زوجته في العدة، كما في الطلاق الرجعي، وإمَّا إنهاءً لا تعود بعده الزوجة إلا بعقد جديد، أو لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، بحسب نوع الطلاق وعدده.
وليس كل خلاف بين الزوجين طلاقًا، ولا كل هجر أو خروج من البيت إنهاءً للزواج، كما أنَّ مجرد التفكير في الطلاق أو العزم عليه لا يوقعه ما لم يصدر من الزوج لفظ معتبر أو كتابة مقصودة ونحو ذلك مما سيأتي بيانه.
وقد قال النبي ﷺ:
«إنَّ الله تجاوز لأمتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم»
متفق عليه.
فمجرد حديث النفس بالطلاق لا يترتب عليه حكم، ولو تكرر في نفس الزوج، ما دام لم يتلفظ به ولم يأت بما يقوم مقام التلفظ على الوجه المعتبر شرعًا.
الفصل الثاني: مشروعية الطلاق
ثبتت مشروعية الطلاق بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم.
فمن القرآن الكريم قول الله تعالى:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: 229].
وقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾
[الطلاق: 1].
وقال تعالى:
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾
[البقرة: 236].
فهذه الآيات تدل دلالة صريحة على مشروعية الطلاق، وعلى أنَّ الشريعة لم تتركه لأهواء الناس، وإنما نظمت أحكامه، وبيَّنت عدده ووقته وآثاره، وأمرت الزوج عند الفراق بالإحسان والبعد عن الظلم والإضرار.
ومن السنة حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّه طلَّق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال:
«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»
متفق عليه.
وقد أجمع المسلمون على أصل مشروعية الطلاق عند الحاجة إليه، وإن اختلف الفقهاء في بعض شروطه وصوره وآثاره.
الفصل الثالث: الحكمة من مشروعية الطلاق
شرع الله الزواج لتحقيق مصالح عظيمة، من أهمها العفة، والسكن، والمودة، والرحمة، وحفظ الأنساب، وتكوين الأسرة المسلمة. غير أنَّ هذه المقاصد قد تتعذر في بعض الزيجات، وقد تتحول الحياة الزوجية إلى شقاق دائم وضرر مستمر.
وفي هذه الحال يكون بقاء الزوجين معًا سببًا لزيادة الخصومة، وضياع الحقوق، وفساد تربية الأبناء، وربما أدى إلى الاعتداء والظلم وارتكاب المحرمات. فكان من حكمة الله ورحمته أن شرع الطلاق مخرجًا عند تعذر الإصلاح.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾
[النساء: 130].
فالطلاق ليس شرًّا محضًا في كل حال، بل قد يكون رحمةً بالزوجين إذا استحال الوفاق، كما قد يكون ظلمًا واعتداءً إذا وقع من غير سبب معتبر، أو قُصد به الإضرار بالزوجة.
ومن حِكَم مشروعيته:
رفع الضرر عن أحد الزوجين أو كليهما.
إنهاء الشقاق الذي تعذر إصلاحه.
منع استمرار حياة زوجية خالية من السكن والمودة.
فتح باب حياة جديدة لكل واحد من الزوجين.
حفظ الحقوق وتنظيم الفراق بدل وقوعه في صورة فوضوية.
منع الظلم والاعتداء الناتجين عن المعاشرة بالإكراه.
إتاحة فرصة المراجعة والتدارك في الطلقتين الأولى والثانية.
وقد جعل الله الطلاق على مراحل، فلم يجعل مجرد الطلقة الأولى نهايةً لا رجعة فيها، بل أتاح للزوجين فرصة مراجعة الأمر وإصلاح ما بينهما، فقال تعالى:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: 229].
فإمَّا أن يمسك الزوج زوجته بمعروف، فيؤدي حقوقها ويحسن عشرتها، وإمَّا أن يفارقها بإحسان، من غير ظلم ولا سب ولا تشهير ولا أكل لحقوقها.
الفصل الرابع: الطلاق تعتريه الأحكام الخمسة
ليس حكم الطلاق واحدًا في جميع الأحوال، بل يختلف بحسب حال الزوجين، ووجود المصلحة أو المفسدة، فقد يكون واجبًا، أو مستحبًّا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرَّمًا.
أولًا: الطلاق الواجب
يكون الطلاق واجبًا أو متعينًا في بعض الصور التي يتعذر معها استمرار الزواج على الوجه الشرعي، ومن ذلك إذا حكم الحكمان بالتفريق بعد استنفاد وسائل الإصلاح، وتبيَّن أنَّ بقاء الزوجين يؤدي إلى ضرر محقق لا يمكن دفعه إلا بالفراق.
ويدخل في ذلك ما إذا أصر أحد الزوجين على حالٍ تفسد أصل الحياة الزوجية، وتعذر الإصلاح، وأصبح استمرار النكاح سببًا لضياع الدين أو وقوع الظلم والعدوان.
ولا ينبغي التسرع في وصف الطلاق بالوجوب؛ لأنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال، ويحتاج إلى نظر أهل العلم والقضاء الشرعي أو من يقوم مقامه عند التنازع.
ثانيًا: الطلاق المستحب
قد يكون الطلاق مستحبًّا إذا غلب على الظن أنَّ الفراق أصلح من البقاء، كأن تكون الزوجة شديدة الأذى، أو مفرطة في الحقوق الواجبة، أو يكون استمرار الزواج سببًا للوقوع في المحرمات، ولا ينفع معها النصح والإصلاح.
وكذلك قد يكون الفراق أولى إذا بلغ النفور بين الزوجين مبلغًا لا تتحقق معه مقاصد النكاح، وكان بقاؤهما سببًا للظلم والعداوة المستمرة.
ثالثًا: الطلاق المباح
يكون الطلاق مباحًا عند وجود حاجة معتبرة إليه، كتنافر الطباع، واستمرار الخلاف، وتعذر العشرة المستقرة، من غير أن يبلغ الأمر حد الضرر الشديد أو التحريم.
ومع إباحته، ينبغي للزوج ألَّا يعجل، بل يتأنى ويستشير ويستخير، وينظر في مآلات قراره، ولا سيما عند وجود الأولاد.
رابعًا: الطلاق المكروه
يكون الطلاق مكروهًا إذا وقع من غير حاجة معتبرة، وكانت الحياة الزوجية مستقرة، والزوجة قائمة بحقوق زوجها، ولا يوجد ما يقتضي الفراق.
فالطلاق في هذه الحال يزيل نعمة الزواج، ويفرق الأسرة، وقد يسبب أضرارًا نفسية واجتماعية وتربوية من غير مصلحة راجحة.
وقد اشتهر على ألسنة الناس حديث:
«أبغض الحلال إلى الله الطلاق».
وهذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي ﷺ، فلا يجوز الجزم بنسبته إليه. لكن لا يلزم من ضعف الحديث أن يكون الطلاق مطلوبًا من غير سبب؛ بل تدل أصول الشريعة على كراهة تفريق الأسرة وإزالة عقد الزواج بلا حاجة معتبرة.
خامسًا: الطلاق المحرَّم
يكون الطلاق محرَّمًا إذا وقع على وجه نهى الله عنه، كطلاق المرأة في زمن الحيض أو النفاس، أو طلاقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها. وهذا هو الطلاق البدعي من جهة الوقت.
ويحرم كذلك أن يقصد الزوج بالطلاق الإضرار بالزوجة أو التضييق عليها، أو أن يراجعها قبل انتهاء عدتها لا رغبة في إمساكها بمعروف، وإنما لإطالة العدة وإيذائها.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾
[البقرة: 231].
وقد يكون الطلاق محرَّمًا من جهة الصفة، كجمع الطلقات الثلاث في لفظ واحد؛ لأنَّ المشروع أن يطلق الرجل طلقة واحدة، ثم يترك للعدة مجالها، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.
الفصل الخامس: الطلاق علاج أخير لا وسيلة للتهديد
ينبغي أن يعلم الزوج أنَّ الطلاق لم يشرع ليكون كلمةً متكررةً في كل خصومة، ولا سلاحًا يهدد به زوجته، ولا يمينًا يحلف به عند البيع والشراء والدخول والخروج.
فمن الناس من يجري لفظ الطلاق على لسانه لأدنى سبب، فيقول: «عليَّ الطلاق»، أو: «إن فعلت كذا فأنت طالق»، أو يكرر الطلاق كلما غضب، ثم يذهب بعد ذلك يسأل عن مخرج مما أوقع نفسه وأسرته فيه.
وهذا كله من العبث بحدود الله؛ فإنَّ أحكام الأسرة ليست مجالًا للمزاح والتجربة، والكلمة التي يتلفظ بها المرء قد يترتب عليها فراق زوجته، وحرمانه من بيته وأولاده، ودخوله في نزاع طويل كان في غنى عنه.
قال الله تعالى بعد بيان أحكام الطلاق:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
[البقرة: 229].
فالواجب على الزوج أن يضبط لسانه، وأن يعالج الخلاف بالنصح والحوار والصبر والاستعانة بأهل الحكمة، وألَّا ينطق بالطلاق إلا بعد علم وروية، وعندما يتبين أنَّ الفراق هو الحل الأنسب.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الثاني
أركان الطلاق وشروط وقوعه
تمهيد
لا يحكم بوقوع الطلاق لمجرد دعوى أو وهم، بل لا بد من النظر في الزوج المطلق، والزوجة المطلقة، واللفظ الصادر، والحالة التي صدر فيها، ومدى الإدراك والاختيار.
وتظهر أهمية هذا الباب في أنَّ كثيرًا من الناس يسمعون كلمةً من الزوج فيحكمون فورًا بوقوع الطلاق، دون أن يسألوه عن اللفظ الذي صدر منه، أو عن حاله حين تلفظ به، أو عن كون العبارة صريحة أو محتملة.
والواجب في مسائل الطلاق التثبت الشديد؛ لأنَّ الأصل بقاء النكاح المتيقن، ولا يزول هذا الأصل بمجرد الشك والاحتمال.
ومن القواعد الفقهية المقررة:
اليقين لا يزول بالشك.
فمن تيقن قيام الزوجية ثم شك هل وقع الطلاق أم لا، فالأصل بقاء الزوجية حتى يثبت ما ينقل عنها ثبوتًا معتبرًا.
الفصل الأول: الزوج الذي يصح منه الطلاق
الأصل أنَّ الطلاق حق للزوج؛ لأنَّه مالك عقدة النكاح، وله أن يوكل غيره في إيقاعه وفق الضوابط الشرعية. ولا يقع الطلاق من كل من نطق بلفظه، بل لا بد من النظر في أهلية المطلق وحاله وقت صدور الطلاق منه.
ومن أهم الشروط المتعلقة بالزوج المطلق: أن يكون زوجًا حقيقةً، وأن يكون عاقلًا مميزًا، مدركًا لما يقول، مختارًا غير مكره إكراهًا معتبرًا.
الشرط الأول: قيام الزوجية
لا يصح الطلاق إلا من زوج؛ لأنَّ الطلاق حل لعقد النكاح، وما لم يوجد عقد صحيح فلا محل للطلاق.
قال رسول الله ﷺ:
«لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ»
رواه الترمذي، وحسَّنه جماعة من أهل العلم.
فلو قال رجل لامرأة أجنبية: «أنت طالق»، لم يقع شيء؛ لأنَّها ليست زوجة له.
وكذلك لو قال قبل الزواج: «إن تزوجت فلانة فهي طالق»، فهذه المسألة فيها خلاف بين الفقهاء، والأقرب أنَّ الطلاق لا يقع؛ لأنَّه صدر قبل وجود النكاح، والطلاق فرع عن ثبوت الزوجية.
ولا يجوز للإنسان أن يتلاعب بمثل هذه الألفاظ؛ فإنَّ المسلم مأمور بحفظ لسانه، والابتعاد عن كل ما يوقعه في الوسواس والاضطراب.
الشرط الثاني: العقل والإدراك
يشترط في المطلق أن يكون عاقلًا مدركًا لمعنى كلامه. فلا يقع طلاق المجنون الذي زال عقله؛ لأنَّه غير مكلف، ولا يعتد بأقواله وتصرفاته حال جنونه.
قال النبي ﷺ:
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ»
رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وصححه أهل العلم.
ويلحق بالمجنون كل من زال إدراكه زوالًا كاملًا بسبب إغماء أو غيبوبة أو مرض شديد أو دواء مباح، فلم يعد يعي ما يقول.
والعبرة بحال الزوج وقت صدور اللفظ: هل كان يدرك كلامه ويفهم معناه، أم كان فاقدًا لعقله وإدراكه؟ ولا يكفي أن يقول بعد زوال غضبه: «لم أكن أريد الطلاق»، ما دام قد تلفظ بصريحه وهو عاقل مدرك مختار؛ لأنَّ الطلاق الصريح لا يتوقف على نية إيقاعه في الأصل. وإنما البحث في الإدراك والقصد إلى التلفظ، لا في مجرد الرغبة الباطنة بعد صدور الكلام.
طلاق النائم
لا يقع طلاق النائم إذا تكلم به في نومه؛ لحديث:
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ...»
فالنائم لا يقصد لفظه ولا يدرك معناه، ولا يؤاخذ بما يجري على لسانه حال نومه.
فإذا استيقظ الرجل وشك هل نطق بالطلاق حقيقةً أو رأى ذلك في المنام، لم يقع طلاق؛ لأنَّ الأصل بقاء النكاح، واليقين لا يزول بالشك.
طلاق المغمى عليه
المغمى عليه الذي فقد وعيه وإدراكه لا يقع طلاقه؛ لأنَّه في حكم من زال عقله بغير اختياره.
وكذلك من كان تحت تأثير التخدير الطبي، أو أصابه اضطراب أفقده الوعي الكامل، فلا يعتد بكلامه حتى يعود إليه إدراكه.
أمَّا من كان وعيه ناقصًا لكنه يدرك الأشخاص ويفهم السؤال ويعي معنى الطلاق، فلا يكفي مجرد وصفه بالتعب أو المرض للحكم بعدم وقوع طلاقه، بل ينظر في حاله بالتفصيل.
طلاق السكران
طلاق السكران له حالان:
الحالة الأولى: أن يزول عقله بسبب أمر مباح، كأن يشرب دواءً لا يعلم أنَّه يزيل عقله، أو يُكره على شرب مسكر، فلا يقع طلاقه إذا ثبت زوال إدراكه.
الحالة الثانية: أن يسكر باختياره بتناول الخمر أو المخدر المحرم، ثم يطلق حال زوال عقله. وهذه المسألة من مسائل الخلاف المشهورة بين أهل العلم.
والأقرب أنَّ من زال عقله بالكلية ولم يعد يدرك ما يقول لا يقع طلاقه؛ لأنَّه لم يصدر عن عقل وقصد معتبرين، مع وجوب إقامة العقوبة الشرعية عليه بسبب شربه للمسكر، وعدم اتخاذ عدم وقوع الطلاق ذريعةً إلى التهاون بجريمة السكر.
أمَّا إذا لم يزل عقله، وكان يفهم كلامه ويعي أنه يطلق زوجته، وقع طلاقه، وإن كان قد شرب شيئًا من المسكر.
الفصل الثاني: طلاق الصغير
الصغير غير المميز لا يقع طلاقه؛ لأنَّه لا يعقل معنى الطلاق ولا يترتب على عبارته حكم.
أمَّا الصغير المميز الذي يفهم معنى الزواج والطلاق، فقد اختلف الفقهاء في وقوع طلاقه، والأقرب أنَّ طلاقه لا يقع حتى يبلغ؛ لعموم قول النبي ﷺ:
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ... وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ».
وعقد الزواج والأسرة من العقود الخطيرة التي لا ينبغي أن تزول بكلمة من شخص لم تكتمل أهليته الشرعية.
الفصل الثالث: طلاق المكره
الإكراه هو حمل الإنسان على قول أو فعل لا يريده، بتهديد جاد يوقع في نفسه خوفًا غالبًا من ضرر شديد في نفسه أو ماله أو أهله، مع عجزه عن دفع ذلك الضرر.
فإذا أُكره الزوج إكراهًا معتبرًا على تطليق زوجته، فنطق بالطلاق دفعًا للضرر، لم يقع طلاقه؛ لأنَّه لم يختره ولم يرده.
قال الله تعالى:
﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾
[النحل: 106].
وقال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»
رواه ابن ماجه وغيره، وصححه جماعة من أهل العلم بمجموع طرقه.
وليس كل ضغط أو إلحاح إكراهًا معتبرًا؛ فبكاء الزوجة، أو غضبها، أو إلحاح أهلها، أو خوف الزوج من انزعاجهم، لا يجعله مكرهًا في الحكم الشرعي.
ومن شروط الإكراه المعتبر:
أن يكون المكرِه قادرًا على تنفيذ تهديده.
أن يغلب على ظن الزوج وقوع الضرر إن لم يطلق.
أن يكون الضرر المهدد به شديدًا ومعتبرًا.
ألَّا يستطيع الزوج دفع الإكراه أو الهرب منه بوسيلة مأمونة.
أن ينطق بالطلاق بقصد دفع الإكراه، لا عن رغبة واختيار.
وتقدير الإكراه في الوقائع المعينة يحتاج إلى معرفة جميع الملابسات، ولا يحكم فيه بمجرد دعوى عامة.
الفصل الرابع: طلاق المخطئ
المخطئ هو من أراد أن ينطق بكلمة فسبق لسانه إلى لفظ الطلاق من غير قصد، كأن يريد أن يقول لزوجته: «أنت طاهرة»، فيسبق لسانه فيقول: «أنت طالق»، أو كان يقرأ عبارةً أو ينقل كلام غيره، فلم يقصد إنشاء الطلاق.
فإذا ثبت أنَّ اللفظ جرى على لسانه خطأً، ولم يقصد التكلم به على جهة إنشاء الطلاق، لم يقع طلاقه.
قال الله تعالى:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
[البقرة: 225].
وقال سبحانه:
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
[الأحزاب: 5].
ويجب التفريق بين سبق اللسان وبين الندم بعد الطلاق؛ فمن نطق بالطلاق الصريح عامدًا مختارًا مدركًا، ثم ندم وادعى أنَّه أخطأ، لم يكن مجرد الندم دليلًا على عدم وقوع الطلاق.
الفصل الخامس: طلاق الهازل
إذا تلفظ الزوج بالطلاق الصريح مازحًا وهو عاقل مختار يعلم معنى كلامه، وقع طلاقه عند جماهير أهل العلم؛ لأنَّ ألفاظ الطلاق ليست موضعًا للعب والمزاح.
وقد ورد في الحديث:
«ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ»
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وحسنه جماعة من أهل العلم.
فمن قال لزوجته مازحًا: «أنت طالق»، وهو يعلم اللفظ الذي يتكلم به، لم ينفعه أن يقول بعد ذلك: «كنت أمزح»؛ صيانةً لعقد النكاح عن العبث والتلاعب.
أمَّا من كان يحكي كلام غيره، أو يعلّم طالبًا حكمًا، أو يقرأ نصًّا مكتوبًا، ولم يوجه الطلاق إلى زوجته ولم يقصد إنشاءه، فلا يقع طلاقه بمجرد حكاية اللفظ.
الفصل السادس: طلاق الغضبان
الغضب من أكثر الأسباب التي يقع فيها النزاع في مسائل الطلاق؛ إذ إنَّ غالب الطلاق لا يصدر في حال الرضا والهدوء، وإنما يقع عند الخصومة والانفعال. ولذلك لا يصح القول إنَّ كل طلاق صدر في الغضب لا يقع؛ لأنَّ هذا يؤدي إلى إلغاء أكثر أحكام الطلاق.
وفي المقابل، ليس كل غضب سواء، بل للغضب درجات تختلف أحكامها.
الدرجة الأولى: الغضب اليسير
وهو الغضب الذي لا يؤثر في عقل الإنسان وإدراكه، فيعرف ما يقول ويضبط كلامه ويفهم آثاره.
فطلاق صاحبه واقع إذا صدر منه اللفظ الصريح؛ لأنَّ عقله وإرادته باقيان.
الدرجة الثانية: الغضب الشديد مع بقاء الإدراك
وهو أن يشتد غضب الإنسان ويضطرب، لكنه يبقى مدركًا لما يقول، عالمًا بأنَّه يخاطب زوجته بالطلاق، ويذكر كلامه بعد هدوئه.
فهذه الدرجة هي محل خلاف ونظر بحسب مقدار تأثير الغضب في إرادته وقصده. والأصل أنَّ مجرد شدة الغضب لا تمنع وقوع الطلاق ما دام الزوج يعي لفظه ومعناه، لكن لا يجوز التسرع في الحكم في الواقعة المعينة حتى تُعرف تفاصيل حاله.
الدرجة الثالثة: الغضب المغلق للعقل والإرادة
وهو أن يبلغ الغضب بالزوج مبلغًا يفقد معه عقله وإدراكه، فلا يعلم ما يقول، أو لا يذكر ما صدر منه، ويصبح كالمجنون أو المغمى عليه.
فهذا لا يقع طلاقه؛ لأنَّ التكليف مرتبط بالعقل والإدراك.
وقد قال النبي ﷺ:
«لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»
رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد، وحسنه جماعة من أهل العلم.
والإغلاق يشمل ما يُغلق على الإنسان قصده وإرادته، ومنه الإكراه والغضب الشديد الذي يزيل الإدراك أو يمنع صاحبه من التحكم في قوله.
ولا يُقبل في ذلك مجرد الادعاء؛ بل لا بد من النظر في القرائن: ككلام الزوج وقت الواقعة، ومدى تذكره لما حدث، وشهادة من حضر، وحاله المعتادة عند اشتداد الغضب.
ضابط مهم في طلاق الغضبان
ليس السؤال: هل كان الزوج غاضبًا؟ فحسب؛ لأنَّ غالب المطلقين يغضبون، وإنما السؤال:
هل كان يعلم أنَّ التي أمامه زوجته؟
هل فهم معنى اللفظ الذي نطق به؟
هل كان يستطيع التوقف عن الكلام؟
هل يذكر ما قاله بعد زوال الغضب؟
هل بلغ به الغضب حد زوال العقل والإدراك؟
هل توجد قرائن أو شهادات تثبت حاله؟
وبناء الحكم على جواب واحد دون استكمال صورة الواقعة خطأ؛ إذ لا بد من سماع الزوج نفسه والتحقق من حاله، ولا يكفي نقل الزوجة أو أحد الأقارب وحده مع غياب الزوج.
الفصل السابع: الزوجة التي يقع عليها الطلاق
يشترط في المرأة المطلقة أن تكون زوجةً للمطلق حقيقةً، أو معتدةً من طلاق رجعي؛ لأنَّ المعتدة من الطلاق الرجعي لا تزال في حكم الزوجة ما دامت في عدتها.
فإذا طلق الرجل زوجته طلقة رجعية، ثم طلقها مرةً أخرى في أثناء العدة، وقعت عليها الطلقة الثانية؛ لبقاء حكم الزوجية.
أمَّا البائن التي انتهت علاقتها الزوجية بزوجها، فلا يلحقها طلاق جديد بعد البينونة؛ لأنَّها لم تعد زوجة له، إلا في مسائل تفصيلية يذكرها الفقهاء بحسب نوع العدة وسبب الفرقة.
ولا يقع الطلاق على امرأة أجنبية، ولا على من انتهت عدتها من طلاق سابق؛ لأنَّ النكاح قد انقطع عنها.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الثالث
ألفاظ الطلاق وأحكامها
تمهيد
تنقسم ألفاظ الطلاق إلى قسمين رئيسين:
ألفاظ صريحة.
ألفاظ كناية محتملة.
والتفريق بينهما مهم؛ لأنَّ اللفظ الصريح يختلف في حكمه عن اللفظ المحتمل، كما أنَّ النية لها أثر في الكناية، ولا يُسأل عنها في صريح الطلاق على الوجه نفسه.
ويجب عند السؤال عن واقعة طلاق نقل كلام الزوج بحروفه، دون تلخيص أو تبديل؛ لأنَّ اختلاف كلمة واحدة قد يؤدي إلى اختلاف الحكم.
الفصل الأول: ألفاظ الطلاق الصريحة
اللفظ الصريح هو اللفظ الذي وُضع في الأصل للدلالة على الطلاق، ولا يحتمل في الاستعمال المعتاد معنى آخر بعيدًا عنه، مثل قول الزوج لزوجته:
أنتِ طالق.
طلَّقتك.
أنتِ مطلَّقة.
وقع عليكِ الطلاق.
فإذا وجَّه الزوج العاقل المختار إلى زوجته لفظًا صريحًا بالطلاق، وهو مدرك لما يقول، وقع الطلاق في الأصل، ولا يُشترط أن يُسأل بعد ذلك: هل أردت حقيقة الطلاق أم لم ترد؟ لأنَّ اللفظ صريح في معناه.
والنية في هذا الموضع لا يقصد بها مجرد الرغبة الباطنة في إنهاء الزواج، بل لا بد قبل الحكم من التحقق من أنَّ الزوج تعمد التلفظ بالكلمة، وفهم معناها، ووجَّهها إلى زوجته، ولم يكن مخطئًا أو مكرهًا أو فاقدًا للإدراك أو حاكيًا لكلام غيره.
فإذا قال: «كنت أريد تخويفها فقط»، أو: «لم أكن أريد مفارقتها»، لم يمنع ذلك وقوع الطلاق الصريح ما دام قد تعمد التلفظ به وهو عاقل مختار؛ لأنَّ أحكام الطلاق لا تُجعل تابعةً للادعاءات التي تظهر بعد الندم.
مسائل متعلقة باللفظ الصريح
المسألة الأولى: تكرار لفظ الطلاق
إذا كرر الزوج لفظ الطلاق، كقوله: «أنت طالق، أنت طالق»، فلا بد من سؤاله عن حقيقة ما صدر منه:
فإن قصد بالتكرار تأكيد الطلقة الأولى، ولم يقصد إنشاء طلقات متعددة، فالأصل أنها طلقة واحدة.
وإن قصد بكل لفظ إنشاء طلقة مستقلة، ترتب الحكم بحسب العدد.
وإن لم يتبين قصده، احتاجت الواقعة إلى سؤال أهل العلم والنظر في سياق الكلام والقرائن.
ولا يصح إصدار حكم عام في كل صورة من صور التكرار دون معرفة لفظ الزوج وقصده؛ لأنَّ التكرار قد يكون للتأكيد، وقد يكون للتأسيس وإنشاء طلاق جديد.
المسألة الثانية: قول الزوج: «أنت طالق ثلاثًا»
جمع الطلقات الثلاث في لفظ واحد مخالف للطريقة المشروعة؛ فإنَّ السنة أن يطلق الزوج طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها.
وقد اختلف أهل العلم في طلاق الثلاث بلفظ واحد: هل يقع ثلاثًا أم يحسب طلقة واحدة؟
والراجح أنَّ طلاق الثلاث بلفظ واحد يحسب طلقةً واحدة، وهو الذي دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:
«كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً»
رواه مسلم.
لكن لا يجوز للزوج أن يتجرأ على جمع الثلاث اعتمادًا على هذا القول؛ لأنَّه قد خالف السنة، وأدخل أسرته في نزاع شديد، كما أنَّ المحاكم والجهات الإفتائية قد تختلف في الحكم بحسب البلد والقضاء المتبع.
المسألة الثالثة: الشك في عدد الطلقات
إذا تيقن الزوج وقوع طلقة، ثم شك هل طلق ثانيةً أم لا، فالأصل ثبوت ما تيقنه فقط، ولا يثبت العدد الزائد بالشك؛ لأنَّ اليقين لا يزول بالشك.
فمن تيقن واحدةً وشك في الثانية، بُني الحكم على واحدة. ومن تيقن طلقتين وشك في الثالثة، لم تثبت الثالثة بمجرد الشك.
أمَّا إذا غلب على ظنه عدد معين بناءً على قرائن قوية، أو كانت هناك شهادة أو رسائل أو تسجيلات تثبت الواقعة، وجب عرض الأمر كاملًا على أهل العلم؛ لأنَّ هذه المسائل تتعلق ببقاء الزوجية أو زوالها.
الفصل الثاني: ألفاظ الكناية
كناية الطلاق هي اللفظ الذي يحتمل الطلاق ويحتمل معنى آخر، ولم يوضع في الأصل للطلاق وحده.
ومن أمثلتها أن يقول الزوج لزوجته:
الحقي بأهلك.
اخرجي من بيتي.
لا حاجة لي بك.
أنتِ حرة.
انتهى ما بيننا.
لا أريدك زوجةً لي.
اعتبري نفسك منفصلةً عني.
اذهبي حيث شئت.
فهذه العبارات ليست كلها صريحةً في الطلاق؛ لأنها قد تقال بقصد الطلاق، وقد تقال بقصد الغضب أو الهجر المؤقت أو التهديد أو طلب الخروج من المكان.
والأصل في ألفاظ الكناية أنَّ الطلاق لا يقع بها إلا إذا نواه الزوج، أو وجدت قرينة ظاهرة تدل على إرادة الطلاق.
ولهذا يجب سؤال الزوج الذي صدر منه لفظ محتمل:
ماذا قصد بهذه العبارة؟
هل أراد بها إنهاء عقد الزواج؟
هل صدرت في أثناء حديث صريح عن الطلاق؟
هل سبقها أو لحقها ما يبين المراد؟
هل كتب بعدها أو قبلها ما يؤكد إرادة الفراق؟
فإن قال: قصدت الطلاق، وقع. وإن قال: لم أقصد الطلاق، وإنما قصدت أن تذهب إلى أهلها حتى تهدأ الخصومة، لم يقع الطلاق بمجرد هذه العبارة المحتملة، ما لم توجد بينة تخالف دعواه في موضع القضاء والخصومة.
الفرق بين الصريح والكناية
يتضح الفرق بينهما فيما يأتي:
اللفظ الصريح: يدل بنفسه على الطلاق، ويقع في الأصل دون توقف على نية مفارقة الزوجة، متى تعمد الزوج اللفظ وهو عاقل مختار مدرك.
لفظ الكناية: يحتمل الطلاق وغيره، فلا يقع به الطلاق إلا مع نية الطلاق أو قرينة قوية تدل عليه.
وهذا التفريق يمنع خطأين شائعين:
الأول: سؤال الزوج عن نية الطلاق بعد تلفظه بالصريح مع كمال إدراكه واختياره، ثم إلغاء الطلاق لمجرد قوله: «لم أقصد».
والثاني: الحكم بوقوع الطلاق بكل عبارة غضب أو خصومة، وإن كانت محتملة ولم ينو بها الزوج الطلاق.
الفصل الثالث: حكاية لفظ الطلاق وتعليمه
إذا نطق الرجل بلفظ الطلاق على سبيل الحكاية أو التعليم، ولم يقصد توجيهه إلى زوجته، لم يقع طلاقه.
ومن أمثلة ذلك:
أن يقول لطالب: «إذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق، فهذا لفظ صريح».
أن يحكي ما وقع بين رجل وزوجته.
أن يقرأ سؤالًا مكتوبًا يتضمن لفظ الطلاق.
أن يمثل الواقعة أمام مفتٍ أو قاضٍ.
أن يقرأ عبارة الطلاق من كتاب.
فالعبرة بسياق الكلام ووجه استعماله، وليس بمجرد خروج لفظ الطلاق من الفم.
لكن ينبغي تجنب كثرة استعمال هذه الألفاظ في المزاح والتمثيل غير المحتاج إليه، صيانةً للسان وسدًّا لباب الوسواس والنزاع.
الفصل الرابع: الوعد بالطلاق
الوعد بالطلاق ليس طلاقًا.
فلو قال الزوج لزوجته:
سأطلقك.
سوف أطلقك غدًا.
سأذهب إلى المحكمة لأطلقك.
أفكر في طلاقك.
قد أطلقك إذا استمر الأمر.
فهذا كله وعد أو إخبار عن أمر مستقبل، ولا يقع به الطلاق في الحال؛ لأنَّه لم ينشئ الطلاق، وإنما أخبر أنَّه سيفعله لاحقًا.
فإن نفذ وعده بعد ذلك وتلفظ بالطلاق أو كتبه كتابةً معتبرة، نظر في الفعل اللاحق. أمَّا مجرد الوعد فلا ينهي عقد الزوجية.
وقد يظن بعض الأزواج أنَّ قوله: «سأطلقك» طلاق واقع، فتعيش الأسرة في شك واضطراب، وهذا غير صحيح؛ إذ لا بد من التفريق بين إنشاء الطلاق وبين الإخبار عن نية إيقاعه مستقبلًا.
الفصل الخامس: العزم على الطلاق وحديث النفس
إذا عزم الرجل في نفسه على طلاق زوجته، ولم يتلفظ ولم يكتب إليها طلاقًا، لم يقع شيء.
وكذلك إذا خطر الطلاق بقلبه، أو حدث نفسه به، أو تخيله، أو وسوس له الشيطان أنَّه طلق، فلا يترتب على ذلك حكم.
قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»
متفق عليه.
فالأحكام لا تبنى على الوساوس والخواطر، وعقد النكاح الثابت بيقين لا يزول بمجرد الشك.
ومن ابتلي بالوسواس في ألفاظ الطلاق، فلا يلتفت إليه، ولا يكرر السؤال والبحث، بل يبني على الأصل، وهو بقاء الزوجية، ويعرض عن الوساوس.
الفصل السادس: الطلاق بالإشارة
إذا كان الزوج قادرًا على الكلام، فاكتفى بإشارة محتملة من غير لفظ ولا كتابة، لم يقع بها الطلاق في الأصل؛ لأنَّ الإشارة قد تحتمل معاني كثيرة.
أمَّا الأخرس الذي لا يستطيع الكلام، فتقوم إشارته المفهومة مقام كلامه إذا كانت واضحةً معلومة الدلالة، وظهر منها قصد الطلاق.
وكذلك إذا استطاع الأخرس الكتابة فكتب الطلاق كتابةً واضحةً قاصدًا إيقاعه، كان لكتابته حكمها.
والمرجع في فهم إشارة الأخرس إلى العرف، وإلى من يعرف طريقته في التعبير، ولا سيما عند التنازع.
الفصل السابع: الطلاق بالكتابة
يقع الطلاق بالكتابة إذا كتب الزوج إلى زوجته لفظًا يدل على الطلاق وقصد بكتابته إيقاعه.
ومن أمثلة ذلك أن يكتب:
أنت طالق.
طلقتك.
من اليوم أصبحت مطلقةً مني.
لكن الكتابة تحتاج إلى التحقق من أمرين:
ثبوت أنَّ الزوج هو الذي كتبها أو أرسلها.
ثبوت قصده بالكتابة؛ لأنَّ الإنسان قد يكتب لفظ الطلاق للحكاية أو لإعداد سؤال أو من غير قصد إنشائه.
ولهذا كانت الكتابة عند كثير من أهل العلم من كنايات الطلاق التي تحتاج إلى نية، ولو كان المكتوب لفظًا صريحًا؛ لأنَّ الكتابة تحتمل الإنشاء والحكاية والتجربة والمسودة.
فإذا كتب الزوج رسالة طلاق ثم احتفظ بها ولم يرسلها، نُظر في قصده عند الكتابة: فإن قصد إنشاء الطلاق في الحال وقع على القول الراجح، وإن كتبها مسودةً ليراجعها أو ليستشير قبل إرسالها ولم يقصد إيقاع الطلاق، لم يقع.
الفصل الثامن: الطلاق عبر الهاتف والرسائل الحديثة
تأخذ الوسائل الحديثة حكم الكلام والكتابة بحسب صورتها.
أولًا: الطلاق بالمكالمة الصوتية
إذا اتصل الزوج بزوجته، وتلفظ بصريح الطلاق وهو عاقل مختار مدرك، وقع الطلاق؛ لأنَّ المكالمة تنقل صوته وكلامه مباشرة.
ولا يشترط وجود الزوجين في مكان واحد، كما لا يشترط أن تسمع الزوجة لفظ الطلاق وقت صدوره؛ فالعبرة بصدور الطلاق من الزوج مستوفيًا شروطه، لا بحضور الزوجة أو رضاها.
ثانيًا: الطلاق بالرسالة النصية
إذا أرسل الزوج إلى زوجته رسالة يقول فيها: «أنت طالق»، فلا بد من التحقق من أنَّه هو الذي أرسلها، ومن قصده عند إرسالها.
فإن ثبت أنَّه كتبها وأرسلها قاصدًا إيقاع الطلاق، وقع. وإن كتبها للتهديد فقط أو لإعداد سؤال ولم يقصد إنشاء الطلاق، نظر في حكمها بوصفها كتابةً تحتاج إلى بيان القصد.
ولا يجوز التساهل في ادعاء اختراق الحساب أو استعمال شخص آخر للهاتف من غير دليل؛ لأنَّ حقوق الزوجة وأحكام الأسرة لا تُدفع بدعوى مجردة.
ثالثًا: الرسائل الصوتية
الرسالة الصوتية أقرب إلى التلفظ المباشر؛ لأنَّها تتضمن صوت الزوج ولفظه. فإذا سجل الزوج رسالةً وجه فيها الطلاق إلى زوجته وأرسلها قاصدًا إيقاعه، وقع الطلاق.
أمَّا إذا سجلها ثم حذفها قبل إرسالها، فلا بد من النظر في قصده: هل أنشأ الطلاق بمجرد التسجيل، أم كان يجرب عبارته ولم يرد إيقاعه؟ وهذه من الوقائع التي لا يحكم فيها بغير سماع الزوج ومعرفة حاله.
رابعًا: البريد الإلكتروني وتطبيقات التواصل
الطلاق المرسل عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات التواصل يأخذ حكم الطلاق بالكتابة، بشرط ثبوت نسبة الحساب أو الرسالة إلى الزوج، والتحقق من قصده.
وقد تزداد الحاجة إلى التثبت بسبب إمكان سرقة الحسابات أو انتحال الشخصيات أو تعديل الصور والرسائل، فلا يعتمد في القضايا المتنازع فيها على لقطة شاشة وحدها إذا أمكن التحقق بوسائل أخرى.
تنبيه مهم
لا ينبغي للزوج استعمال الهاتف والرسائل في الطلاق؛ لأنَّها تفتح أبوابًا من الشك والنزاع، وقد تُفهم العبارة على غير مرادها، أو تصل الرسالة ناقصة، أو يطلع عليها من لا يجوز له الاطلاع.
وإذا رأى الزوج أنَّ الفراق لا بد منه، فليوقع الطلاق على الوجه الشرعي الواضح، بعد استشارة أهل العلم، ومع حفظ حقوق الزوجة وكرامتها، وإثبات الطلاق لدى الجهة المختصة بما يمنع النزاع وضياع الحقوق.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الرابع
الطلاق السُّني والطلاق البدعي
تمهيد
لم تكتف الشريعة بإباحة الطلاق، بل بيَّنت الوقت والصفة اللذين ينبغي أن يقع عليهما. فمن الطلاق ما يكون موافقًا للسنة، ومنه ما يكون مخالفًا لها.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾
[الطلاق: 1].
ومعنى تطليقهن لعدتهن: أن يطلق الرجل زوجته في الوقت الذي تستقبل فيه عدتها على الوجه المشروع، فلا يطلقها في الحيض، ولا في طهر جامعها فيه وهي ممن تحيض.
وهذا التنظيم الشرعي يفتح باب التروي والمراجعة، ويمنع الإضرار بالمرأة وإطالة عدتها، ويحفظ للأسرة فرصة الرجوع والإصلاح.
الفصل الأول: الطلاق السُّني
الطلاق السُّني هو الطلاق الموافق لهدي النبي ﷺ من جهة الوقت والعدد والصفة.
وصورته أن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة، وهي طاهر من الحيض والنفاس، في طهر لم يجامعها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها أو يراجعها إن كانت الطلقة الأولى أو الثانية.
وقد دل على ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّه طلَّق امرأته وهي حائض، فذكر عمر ذلك للنبي ﷺ، فقال:
«مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»
متفق عليه.
فالطلاق المشروع يتحقق بأمور:
أن تكون المرأة طاهرة من الحيض والنفاس.
ألَّا يكون الزوج قد جامعها في ذلك الطهر.
أن يوقع طلقة واحدة.
ألَّا يتبعها بطلقة أخرى حتى تنقضي العدة أو يراجعها.
أن يقصد الفراق دون ظلم أو إضرار.
والحكمة من انتظار الطهر الذي لم يقع فيه جماع أن يكون الزوج أبعد عن الاندفاع، وأن تكون العدة معلومة، وألَّا تطول على المرأة بسبب تطليقها في الحيض.
الفصل الثاني: الطلاق البدعي
الطلاق البدعي هو الطلاق المخالف للسنة في وقته أو عدده أو صفته.
وينقسم إلى قسمين:
أولًا: الطلاق البدعي من جهة الوقت
ويكون في صورتين:
أن يطلق الزوج زوجته وهي حائض أو نفساء.
أن يطلقها في طهر جامعها فيه، وهي ممن يمكن أن تحمل، ولم يتبين حملها.
وهاتان الصورتان محرمتان؛ لمخالفتهما أمر الله تعالى في قوله:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾
[الطلاق: 1].
ولأنَّ النبي ﷺ أنكر على ابن عمر رضي الله عنهما تطليق زوجته في الحيض، وأمره بمراجعتها.
ثانيًا: الطلاق البدعي من جهة العدد
وهو أن يجمع الزوج أكثر من طلقة في وقت واحد، كأن يقول:
أنت طالق ثلاثًا.
أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، قاصدًا إنشاء ثلاث طلقات.
أنت مطلقة بعدد كذا من الطلقات.
والسنة أن يقتصر على طلقة واحدة؛ لأنها تحقق المقصود، وتبقي باب الرجعة مفتوحًا، وتمنع الندامة التي تقع بعد زوال الغضب.
الفصل الثالث: حكم الطلاق في الحيض
اتفق أهل العلم على أنَّ تطليق المرأة في زمن الحيض محرم، إذا كانت ممن تعتد بالحيض ولم تدع إليه ضرورة معتبرة.
وقد اختلفوا في وقوعه على قولين مشهورين:
القول الأول: أنَّه يقع مع الإثم، وهو قول جمهور الفقهاء.
القول الثاني: أنَّه لا يقع؛ لأنَّ الله أمر أن تطلق النساء لعدتهن، والطلاق في الحيض مخالف لأمر الله ورسوله ﷺ، ولأنَّ النبي ﷺ أمر ابن عمر بمراجعة زوجته.
والراجح أنَّ الطلاق في الحيض لا يقع؛ لأنه طلاق لم يأذن به الله تعالى، وقد قال النبي ﷺ:
«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»
رواه مسلم.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ورجحه جماعة من أهل التحقيق، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمهم الله تعالى.
لكن لا يجوز لمن طلق زوجته في الحيض أن يفتي نفسه بعدم وقوع الطلاق، بل عليه أن يعرض الواقعة على عالم موثوق، ويذكر اللفظ والوقت والظروف وعدد الطلقات السابقة؛ لأنَّ الحكم في الوقائع المعينة يحتاج إلى استيفاء التصور.
الفصل الرابع: طلاق النفساء
النفاس في حكم الحيض في هذه المسألة؛ فلا يجوز للرجل أن يطلق زوجته وهي نفساء.
فإذا طلقها في النفاس، كان آثمًا لمخالفته السنة، والراجح أنَّ طلاقه لا يقع، كما تقدم في طلاق الحائض.
وعليه أن ينتظر حتى تطهر من نفاسها، ثم إن أراد الطلاق طلقها طلقة واحدة قبل أن يجامعها.
الفصل الخامس: الطلاق في طهر جامعها فيه
إذا جامع الرجل زوجته في طهرها، لم يجز له أن يطلقها في ذلك الطهر حتى يتبين حملها أو تحيض ثم تطهر.
وذلك لأنَّ المرأة قد تحمل من هذا الجماع، فتنتقل عدتها من الاعتداد بالحيض إلى الاعتداد بوضع الحمل، وقد يندم الزوج إذا علم بحملها.
فإن طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها، فقد وقع في الطلاق البدعي المحرم.
والراجح أنَّ هذا الطلاق لا يقع؛ لأنه مخالف للأمر الشرعي بتطليق النساء لعدتهن، ولأنَّه داخل في الطلاق الذي ليس عليه أمر النبي ﷺ.
أمَّا إذا تبين أنَّها حامل، جاز طلاقها ولو كان قد جامعها؛ لأنَّ عدة الحامل معلومة بوضع الحمل.
الفصل السادس: طلاق الحامل
يجوز للرجل أن يطلق زوجته الحامل في أي وقت من حملها، ويكون طلاقها موافقًا للسنة من جهة الوقت؛ لأنَّ عدتها معلومة، وهي وضع الحمل.
قال الله تعالى:
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
[الطلاق: 4].
وثبت في صحيح مسلم أنَّ النبي ﷺ قال في حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
«ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا».
ويخطئ من يظن أنَّ طلاق الحامل لا يقع؛ فهذا القول لا أصل له، بل طلاقها واقع إذا استوفى شروطه، وتنتهي عدتها بوضع جميع حملها، سواء طالت المدة بعد الطلاق أم قصرت.
فلو طلقها قبل ولادتها بيوم، ثم وضعت حملها، انتهت عدتها بالوضع. وإن طلقها في أول الحمل، بقيت في العدة حتى تضع حملها.
الفصل السابع: طلاق الصغيرة والآيسة
المرأة التي لا تحيض لصغر سنها، والمرأة التي انقطع حيضها لكبر سنها، لا يتعلق طلاقهما بحيض ولا طهر؛ لأنَّهما لا تحيضان.
فيجوز أن يطلق الرجل زوجته الآيسة أو التي لا تحيض طلقة واحدة متى احتاج إلى الطلاق، وتكون عدتها ثلاثة أشهر.
قال الله تعالى:
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
[الطلاق: 4].
وكذلك من انقطع حيضها لعلة أو مرض، فإنَّ حكم عدتها يحتاج إلى تفصيل بحسب سبب الانقطاع وإمكان عودة الحيض، ويُرجع فيه إلى أهل العلم، وقد يحتاج الأمر إلى رأي الأطباء الثقات.
الفصل الثامن: طلاق غير المدخول بها
إذا عقد الرجل على امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها وقبل حصول الخلوة المعتبرة، وقع طلاقها ولا عدة عليها.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾
[الأحزاب: 49].
فتبين المرأة من زوجها بمجرد الطلاق، ولا يملك مراجعتها؛ لأنَّ الرجعة إنما تكون في العدة، وهذه لا عدة عليها. فإن أرادا العودة، فلا بد من عقد جديد مستوفٍ لشروطه، وبرضاها، وبمهر جديد.
أمَّا إذا حصلت خلوة صحيحة يمكن فيها الجماع، فقد اختلف الفقهاء في وجوب العدة، وهذه من المسائل التي ينبغي فيها الرجوع إلى القضاء أو أهل العلم عند وقوعها.
الفصل التاسع: هل يشترط حضور الزوجة أو علمها؟
لا يشترط لوقوع الطلاق حضور الزوجة، ولا سماعها للفظ، ولا رضاها به.
فإذا تلفظ الزوج بطلاقها وهي غائبة، مستوفيًا شروط الطلاق، وقع الطلاق وإن لم تعلم به وقت صدوره.
لكن يجب عليه إبلاغها؛ حتى تعرف ابتداء عدتها، وتحفظ حقوقها، ولا تبقى معلقة تظن نفسها زوجةً وهي في الحقيقة مطلقة.
ويجب توثيق الطلاق لدى الجهات المختصة؛ لأنَّ عدم توثيقه قد يؤدي إلى ضياع الحقوق، والنزاع في النفقة والعدة والحضانة والنسب.
والتوثيق ليس هو الذي ينشئ الطلاق في الحكم الشرعي إذا كان قد صدر قبل ذلك بلفظ صحيح، وإنما يحفظ الحقوق ويثبت الواقعة عند التنازع.
الفصل العاشر: هل يشترط الإشهاد على الطلاق؟
اختلف أهل العلم في حكم الإشهاد على الطلاق والرجعة.
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ الإشهاد مستحب، وليس شرطًا لصحة الطلاق. وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه، مستدلين بقول الله تعالى:
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾
[الطلاق: 2].
والأحوط والأحفظ للحقوق أن يُشهد الزوج على طلاقه ورجعته رجلين عدلين، وأن يوثقه لدى الجهة المختصة؛ دفعًا للنزاع والتهمة والنسيان.
لكن عدم حضور الشهود لا يمنع وقوع الطلاق عند جمهور أهل العلم إذا صدر من الزوج مستوفيًا شروطه.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الخامس
الطلاق المعلَّق والحلف بالطلاق
الفصل الأول: تعريف الطلاق المعلَّق
الطلاق المعلق هو أن يربط الزوج وقوع الطلاق بحصول أمر في المستقبل، مستخدمًا إحدى أدوات الشرط، كقوله لزوجته:
إن خرجت من البيت فأنت طالق.
إذا ذهبت إلى المكان الفلاني فأنت طالق.
متى كلمت فلانًا فأنت طالق.
إن لم أقم بهذا العمل فأنت طالق.
وسمي معلقًا لأنَّ الزوج لم ينجز الطلاق في الحال، بل ربطه بحصول الشرط الذي ذكره.
وهذا الباب من أكثر أبواب الطلاق تعقيدًا؛ لأنَّ حكمه يختلف باختلاف لفظ الزوج وقصده، وهل أراد حقيقة الطلاق عند حصول الشرط، أم أراد مجرد المنع أو الحث أو التهديد أو التأكيد.
ولهذا لا يجوز الحكم في الطلاق المعلق قبل معرفة عبارة الزوج حرفيًّا، وسؤاله عما قصده وقت التلفظ، والتحقق من وقوع الشرط أو عدم وقوعه.
الفصل الثاني: أقسام الطلاق المعلَّق
الطلاق المعلَّق باعتبار قصد الزوج ينقسم إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: التعليق المحض المقصود به وقوع الطلاق
وهو أن يقصد الزوج وقوع الطلاق حقيقةً عند حصول الشرط، كأن يقول لزوجته:
«إذا دخل شهر رمضان فأنت طالق»، قاصدًا أن تنتهي الزوجية عند دخول الشهر.
أو يقول:
«إذا سافرتُ إلى البلد الفلاني فأنت طالق»، وهو يريد أن يقع الطلاق عند سفره.
فهذا تعليق مقصود به الطلاق، فإذا تحقق الشرط وقع الطلاق؛ لأنَّ الزوج قصد إيقاعه عند وجود الأمر المعلق عليه.
ولا يملك الزوج إلغاء هذا التعليق بعد صدوره على قول جمهور أهل العلم. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إمكان الرجوع عنه قبل وقوع شرطه إذا كان من التعليق المحض الذي قصد به إيقاع الطلاق، وفي المسألة تفصيل وخلاف؛ ولذلك ينبغي رد الواقعة إلى أهل العلم وعدم الاكتفاء بحكم عام.
القسم الثاني: التعليق الذي يراد به الحث أو المنع أو التهديد
وهو أن يقول الزوج مثلًا:
إن خرجت من البيت فأنت طالق.
إن كلمت فلانًا فأنت طالق.
إن لم تفعلي كذا فأنت طالق.
ولا يريد مفارقتها، وإنما يريد منعها أو حملها على فعل شيء أو تخويفها.
فهذه الصورة في معنى اليمين؛ لأنها لم تصدر بقصد إنهاء الزواج، وإنما صدرت للحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع الطلاق عند حصول الشرط، سواء قصد الزوج الطلاق أو قصد التهديد والمنع.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وجماعة من أهل التحقيق إلى أنَّه إذا لم يقصد الطلاق، وإنما قصد الحث أو المنع أو التهديد، فإنَّه يأخذ حكم اليمين، فإذا خالف ما حلف عليه لزمته كفارة يمين، ولم يقع الطلاق.
وهذا القول هو الراجح؛ لأنَّ العقود بمقاصدها، ولأنَّ هذا الزوج لم يرد حل عقد النكاح، وإنما أراد تأكيد أمر أو منع فعل.
الفصل الثالث: كفارة الحلف بالطلاق
من حلف بالطلاق قاصدًا منع نفسه أو زوجته من شيء، أو حثها عليه، ثم حصل ما علق عليه، ولم يكن يريد حقيقة الطلاق، فعليه كفارة يمين على القول الراجح.
قال الله تعالى:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾
[المائدة: 89].
وكفارة اليمين تكون على الترتيب الآتي:
إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الإنسان أهله.
أو كسوة عشرة مساكين.
أو تحرير رقبة.
فإن لم يجد شيئًا من ذلك صام ثلاثة أيام.
ولا ينتقل القادر إلى الصيام مباشرةً؛ لأنَّ الصيام إنما يكون عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة.
الفصل الرابع: أثر النية في الطلاق المعلَّق
النية في هذا الباب مؤثرة؛ ولذلك يجب سؤال الزوج عن قصده وقت التلفظ، لا عن قصده بعد وقوع الشرط.
فيقال له:
حين قلت هذه العبارة، هل كنت تريد طلاق زوجتك إذا حصل الشرط؟
أم كنت تريد منعها أو تخويفها؟
هل كنت راضيًا بانتهاء الزواج عند حصول الأمر؟
أم كنت تظن أنَّها لن تخالفك، فاتخذت الطلاق وسيلة للضغط عليها؟
ولا يكفي أن يقول بعد حصول الشرط: «لم أقصد الطلاق» لمجرد رغبته في التخلص من الحكم، بل لا بد من صدقه ووجود قرائن تؤيد قوله؛ لأنَّ الأحكام الشرعية لا تبنى على الحيل والدعاوى الكاذبة.
ومن علم الله منه الكذب في نيته ليتخلص من حكم الطلاق، فإنَّ فتوى المفتي لا تنجيه عند الله تعالى.
الفصل الخامس: الشك في وقوع الشرط
إذا علق الزوج الطلاق على أمر، ثم شك هل وقع الشرط أم لا، لم يقع الطلاق بمجرد الشك.
ومثال ذلك أن يقول: «إن دخلت فلانة البيت فأنت طالق»، ثم يشك هل دخلت أم لم تدخل، فالأصل عدم وقوع الشرط وبقاء النكاح.
وكذلك إذا علقه على كلام شخص، ثم لم يثبت أنَّ الكلام حصل، فلا يحكم بوقوع الطلاق بالظنون والشائعات.
أمَّا إذا ثبت وقوع الشرط بشهادة معتبرة أو إقرار أو دليل واضح، نُظر بعد ذلك في قصد الزوج عند التعليق.
الفصل السادس: التعليق على أمر مستحيل أو مجهول
إذا علق الزوج الطلاق على أمر يعلم استحالته، كأن يقول: «إن دخل الجمل في ثقب الإبرة فأنت طالق»، فلا يقع شيء؛ لأنَّ الشرط لا يمكن حصوله.
وإذا علقه على أمر مجهول لا يمكن التحقق منه، وجب الاحتياط والتثبت وعدم إزالة عقد النكاح الثابت باليقين لمجرد الاحتمال.
ولا يجوز تعمد استعمال الشروط الغامضة في الطلاق؛ لأنَّها تورث الوسواس والخصومة، وقد يبقى الزوجان سنوات يسألان عن معنى لفظ لم يكن الزوج واعيًا بعاقبته.
الفصل السابع: التحذير من الحلف بالطلاق
الحلف بالطلاق من العادات السيئة التي شاعت على ألسنة بعض الناس، فيحلف أحدهم بالطلاق في البيع والشراء، وفي الدعوة إلى الطعام، وفي إثبات الأخبار، وعند كل خصومة.
والطلاق لم يشرع ليكون يمينًا، وإنما شُرع عند الحاجة إلى إنهاء الحياة الزوجية وفق ضوابط الشرع.
فالواجب على المسلم أن يحلف بالله وحده إذا احتاج إلى اليمين، وأن يحفظ اسم الله عن كثرة الحلف، فضلًا عن أن يجعل زوجته وأسرته عرضةً للفراق بسبب كلمة اعتادها لسانه.
قال النبي ﷺ:
«مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»
متفق عليه.
فمن اعتاد الحلف بالطلاق فعليه أن يتوب إلى الله، ويدرّب لسانه على تركه، وألَّا يجالس من يشجعه على هذه العادة المنكرة.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب السادس
عدد الطلقات وأقسام الطلاق
الفصل الأول: عدد الطلقات
جعل الله تعالى الطلاق الذي يملك الزوج بعده الرجعة مرتين، فقال سبحانه:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: 229].
ثم قال تعالى:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
[البقرة: 230].
فالزوج يملك ثلاث طلقات:
الطلقة الأولى، وله مراجعتها في العدة.
الطلقة الثانية، وله مراجعتها في العدة.
الطلقة الثالثة، وتبين بها منه بينونة كبرى، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا.
وقد شرع الله تفريق الطلقات، حتى تتاح للزوجين فرصة الإصلاح والمراجعة، وحتى لا يهدم الزوج أسرته في لحظة غضب بكلمة واحدة.
الفصل الثاني: الطلاق الرجعي
الطلاق الرجعي هو الطلاق الذي يملك الزوج بعده مراجعة زوجته ما دامت في العدة، من غير عقد جديد ولا مهر جديد ولا اشتراط رضاها.
ويكون ذلك في الطلقة الأولى أو الثانية بعد الدخول، إذا لم يكن الطلاق على مال، ولم يكن من صور الطلاق البائن.
قال الله تعالى:
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾
[البقرة: 228].
والمطلقة الرجعية في حكم الزوجة ما دامت في العدة، فلها النفقة والسكنى، ولا يجوز إخراجها من بيت الزوجية، ولا يجوز لها أن تخرج منه بغير سبب معتبر.
قال تعالى:
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾
[الطلاق: 1].
والحكمة من بقائها في البيت أن تكون فرصة الرجوع قائمة، وأن يرى كل واحد منهما الآخر، فلعل النفوس تهدأ وتعود المودة.
الفصل الثالث: كيفية الرجعة
تحصل الرجعة بالقول الصريح، كأن يقول الزوج:
راجعت زوجتي.
رددتها إلى عصمتي.
أمسكتها زوجةً لي.
والسنة أن يشهد على الرجعة رجلين عدلين؛ حفظًا للحقوق ومنعًا للنزاع.
قال تعالى:
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾
[الطلاق: 2].
واختلف أهل العلم في حصول الرجعة بالجماع أو مقدماته من غير قول، والأحوط أن يصرح الزوج بالرجعة، ويشهد عليها، ثم يعاشر زوجته؛ حتى يكون الأمر واضحًا بعيدًا عن النزاع.
ولا تتوقف صحة الرجعة في أثناء العدة على رضا الزوجة؛ لأنها ما تزال في حكم الزوجة. لكن لا يجوز للزوج أن يراجعها بقصد الإضرار أو إطالة العدة.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾
[البقرة: 231].
الفصل الرابع: انتهاء مدة الرجعة
تنتهي الرجعة بانتهاء عدة المطلقة.
فإذا انتهت العدة دون أن يراجعها الزوج، بانت منه بينونة صغرى، ولم يملك إعادتها إلا بعقد جديد، وبرضاها، وبولي وشاهدين ومهر جديد.
ولا يكفي بعد انتهاء العدة أن يقول الزوج: «راجعتك»، بل لا بد من عقد نكاح جديد مستوفٍ لشروطه.
ولهذا يجب ضبط بداية العدة ونهايتها، وتوثيق الطلاق والرجعة؛ لأنَّ الجهل بتاريخ الطلاق قد يؤدي إلى نزاع في ثبوت الرجعة.
الفصل الخامس: الطلاق البائن بينونة صغرى
البينونة الصغرى هي الفرقة التي لا يملك الزوج بعدها مراجعة المرأة بمجرد القول، ولكن يجوز له أن يتزوجها بعقد جديد إذا رضيت.
ومن صورها:
الطلاق قبل الدخول.
انتهاء عدة المطلقة من الطلقة الأولى أو الثانية دون رجعة.
الخلع عند من يجعله طلاقًا بائنًا.
الطلاق على عوض تدفعه الزوجة.
بعض صور الفسخ والفرقة بحسب سببها.
وفي البينونة الصغرى تصبح المرأة أجنبيةً عن الرجل، فلا يجوز له الخلوة بها أو لمسها أو معاملتها معاملة الزوجة، حتى يعقد عليها عقدًا جديدًا.
الفصل السادس: الطلاق البائن بينونة كبرى
البينونة الكبرى تحصل إذا استكمل الزوج ثلاث طلقات متفرقات معتبرات.
فإذا طلق زوجته الطلقة الثالثة، لم تحل له حتى تتزوج زوجًا آخر زواجًا صحيحًا، ويدخل بها الزوج الثاني دخولًا حقيقيًّا، ثم يفارقها بموت أو طلاق، وتنتهي عدتها.
قال الله تعالى:
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
[البقرة: 230].
ولا يجوز الاتفاق مع رجل على أن يتزوج المطلقة ثم يطلقها حتى تعود إلى زوجها الأول؛ فهذا هو نكاح التحليل المحرم.
قال النبي ﷺ:
«لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ»
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه أهل العلم.
فالنكاح الثاني لا بد أن يكون نكاح رغبة صحيحًا، لا حيلة مؤقتة لإباحتها للزوج الأول.
الفصل السابع: جمع الطلقات الثلاث
من قال لزوجته: «أنت طالق ثلاثًا»، فقد خالف السنة؛ لأنَّ المشروع أن يوقع طلقة واحدة ويترك للعدة مجالها.
وقد سبق أنَّ الراجح أنَّ الثلاث المجموعة في لفظ واحد تحسب طلقة واحدة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما:
«كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً»
رواه مسلم.
أمَّا إذا طلقها طلقة، ثم راجعها أو عقد عليها بعد انتهاء عدتها، ثم طلقها ثانية، ثم أعادها، ثم طلقها ثالثة، فقد استكمل ثلاث طلقات، وبانت منه بينونة كبرى.
ولا تعود الطلقات إلى الصفر بمجرد تجديد العقد بعد الطلقة الأولى أو الثانية؛ بل تبقى الطلقات السابقة محسوبة.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب السابع
العِدَّة وأحكامها
الفصل الأول: تعريف العدة وحكمتها
العدة مدة شرعية تتربص فيها المرأة بعد فراق زوجها، ولا يجوز لها الزواج حتى تنتهي.
ومن حكمها:
التحقق من براءة الرحم وحفظ الأنساب.
إتاحة فرصة الرجعة في الطلاق الرجعي.
تعظيم شأن عقد الزواج.
الوفاء لحق الزوج في عدة الوفاة.
تنظيم انتقال المرأة من زواج إلى آخر وفق أحكام الشرع.
وتختلف مدة العدة باختلاف حال المرأة وسبب الفرقة: فقد تكون بالحيض، أو بالأشهر، أو بوضع الحمل.
الفصل الثاني: عدة المطلقة التي تحيض
إذا كانت المطلقة من النساء اللاتي يحضن، وكانت مدخولًا بها، فعدتها ثلاثة قروء.
قال الله تعالى:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾
[البقرة: 228].
وقد اختلف أهل العلم في المراد بالقروء: أهي الأطهار أم الحيض؟ والراجح أنَّ المراد بها الحيض، فتعتد المطلقة بثلاث حيضات كاملة.
فإذا طُلقت وهي طاهر قبل أن يجامعها زوجها، ثم حاضت ثلاث حيضات، انتهت عدتها بانقضاء الحيضة الثالثة واغتسالها منها على قول جماعة من أهل العلم.
وينبغي للمرأة أن تتقي الله في عدتها، فلا تكتم حيضها أو حملها رغبةً في تقصير العدة أو تطويلها.
قال تعالى:
﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
[البقرة: 228].
والقول في حصول الحيض أو عدمه قول المرأة؛ لأنَّ ذلك أمر لا يطلع عليه غالبًا إلا من جهتها، ما لم توجد قرائن ظاهرة تدل على خلاف قولها.
الفصل الثالث: عدة الآيسة ومن لا تحيض
المرأة التي انقطع حيضها لكبر سنها، والتي لا تحيض أصلًا، عدتها ثلاثة أشهر.
قال الله تعالى:
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾
[الطلاق: 4].
وتبدأ الأشهر من وقت وقوع الطلاق، والأصل اعتبار الأشهر القمرية.
أمَّا من كانت تحيض ثم انقطع حيضها لسبب معلوم، كالرضاعة أو المرض أو استعمال دواء، فإنَّ حكمها يختلف بحسب حالها وإمكان عودة الحيض، ولا ينبغي لها أن تقدر عدتها بنفسها دون الرجوع إلى أهل العلم، والاستعانة بالطبيب عند الحاجة.
الفصل الرابع: عدة الحامل
عدة المطلقة الحامل تنتهي بوضع جميع حملها، ولو كانت المدة قصيرة.
قال الله تعالى:
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
[الطلاق: 4].
فلو طلق الرجل زوجته الحامل، ثم وضعت حملها بعد الطلاق بوقت يسير، انتهت عدتها. وإن طلقها في أول الحمل، بقيت في العدة حتى تضع حملها.
وإذا كانت حاملًا بأكثر من جنين، فلا تنتهي عدتها حتى تضع آخرهم.
ولا أثر للتاريخ الذي حدده الأطباء للولادة في انتهاء العدة؛ فالحكم متعلق بالوضع الحقيقي.
الفصل الخامس: المطلقة قبل الدخول
إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول بها وقبل الخلوة المعتبرة، فلا عدة عليها.
قال الله تعالى:
﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾
[الأحزاب: 49].
فيجوز لها أن تتزوج بعد الطلاق مباشرةً متى استوفت شروط النكاح.
ولها نصف المهر المسمى إذا طلقها قبل الدخول وقد سُمي لها مهر، إلا أن تعفو أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾
[البقرة: 237].
الفصل السادس: السكنى والنفقة في العدة
المطلقة الرجعية زوجة ما دامت في العدة، فلها السكنى والنفقة بالمعروف، ولا يجوز للزوج إخراجها من بيتها لمجرد وقوع الطلاق.
قال الله تعالى:
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾
[الطلاق: 1].
وقال سبحانه:
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾
[الطلاق: 6].
وحرَّم الله استعمال السكن والنفقة وسيلةً لإيذاء المطلقة أو إجبارها على التنازل عن حقوقها.
أمَّا المطلقة البائن غير الحامل، فقد اختلف الفقهاء في استحقاقها السكنى والنفقة، وثبت في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أنَّ النبي ﷺ قال لها حين طلقها زوجها البتة:
«لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى»
رواه مسلم.
وأمَّا الحامل فلها النفقة حتى تضع حملها، قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾
[الطلاق: 6].
الفصل السابع: خطبة المعتدة
لا يجوز التصريح بخطبة المعتدة من طلاق رجعي؛ لأنها لا تزال زوجة، ولزوجها حق مراجعتها في أثناء العدة.
ولا يجوز لغير زوجها أن يعرض بخطبتها ما دامت في عدة رجعية.
وأمَّا المعتدة من وفاة أو من بينونة، فيجوز التعريض بخطبتها دون التصريح، على الوجه الذي أذن به الشرع.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾
[البقرة: 235].
ولا يجوز عقد النكاح على المعتدة حتى تنتهي عدتها؛ لأنَّ عقد النكاح في العدة محرم وباطل.
الفصل الثامن: خروج المطلقة من البيت
الأصل أن تبقى المطلقة الرجعية في بيت الزوجية طوال عدتها، ولا يخرجها الزوج، ولا تخرج هي بغير حاجة معتبرة.
ولها أن تخرج لحاجتها إذا لم يوجد من يقضيها، كخروجها للعمل الذي تحتاج إليه أو للعلاج أو لقضاء مصلحة ضرورية، مع المحافظة على الأحكام الشرعية.
ولا يجوز فهم قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ على أنَّ للزوج حبسها أو الاعتداء عليها؛ بل المقصود حفظ حق السكنى وإبقاء فرصة الإصلاح.
فإذا كان بقاؤها في البيت يعرضها للعنف أو الخطر المحقق، جاز لها الانتقال إلى مكان آمن، ويُرفع الأمر إلى الجهات المختصة وأهل العلم لحفظ الحقوق ومنع الضرر.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الثامن
الخُلْع وأحكامه
الفصل الأول: تعريف الخلع ومشروعيته
الخلع فراق الزوج زوجته بعوض تدفعه إليه، غالبًا ما يكون برد المهر أو بعضه، عندما تكره المرأة استمرار الحياة الزوجية وتخشى ألَّا تؤدي حقوق زوجها.
وسمي خلعًا لأنَّ الزوجة تخلع نفسها من رابطة الزوجية كما يخلع الإنسان لباسه.
وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة.
قال الله تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[البقرة: 229].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت:
«يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ».
فقال النبي ﷺ:
«أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»
قالت: نعم. فقال رسول الله ﷺ لثابت:
«اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»
رواه البخاري.
فدل الحديث على جواز الخلع إذا كرهت المرأة البقاء مع زوجها وخشيت التقصير في حقوقه، ولو لم يكن الزوج فاسد الدين أو الخلق.
الفصل الثاني: متى يشرع الخلع؟
يشرع الخلع إذا وجدت المرأة سببًا معتبرًا يجعلها عاجزة عن الاستمرار في الحياة الزوجية، ومن ذلك:
النفور الشديد الذي تخشى معه عدم أداء حقوق الزوج.
سوء العشرة واستمرار النزاع.
تضررها من البقاء معه مع عدم قدرتها على إثبات سبب يوجب الفسخ.
خوفها من الوقوع في المعصية بسبب شدة الكراهية.
تعذر الإصلاح بين الزوجين بعد بذل أسبابه.
ولا ينبغي للمرأة أن تطلب الخلع بسبب عارض يسير، أو خلاف يمكن علاجه، أو بتأثير أشخاص يسعون إلى إفساد بيتها.
وقد قال النبي ﷺ:
«أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ»
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه جماعة من أهل العلم.
فالوعيد متعلق بمن طلبت الفراق من غير بأس ولا سبب معتبر، أمَّا من تضررت أو خشيت ألَّا تقيم حدود الله، فلها أن تطلب الخلع.
الفصل الثالث: مقدار عوض الخلع
الأصل أن ترد الزوجة إلى زوجها المهر الذي دفعه إليها، كما أمر النبي ﷺ امرأة ثابت بن قيس أن ترد الحديقة التي كانت مهرًا لها.
ويجوز أن يتفق الزوجان على عوض أقل من المهر. أمَّا أخذ أكثر مما دفع إليها، فقد أجازه بعض الفقهاء، لكن الأولى ألَّا يأخذ الزوج أكثر من مهره، ولا سيما إذا لم يصدر من الزوجة ظلم أو إساءة.
ولا يجوز للزوج أن يسيء عشرة زوجته أو يضيق عليها حتى تفتدي نفسها وترد إليه مهرها.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾
[النساء: 19].
فإذا كان الضرر والظلم من الزوج، لم يحل له أن يساومها على مالها ليطلقها أو يخالعها.
الفصل الرابع: هل الخلع طلاق أم فسخ؟
اختلف أهل العلم في الخلع: هل هو طلاق بائن، أم فسخ لا يُحسب من عدد الطلقات؟
والراجح أنَّه فسخ إذا وقع بلفظ الخلع وعلى عوض؛ لأنَّ الله تعالى ذكر الطلاق مرتين، ثم ذكر الافتداء، ثم ذكر الطلقة الثالثة بعده، فدل ذلك على أنَّ الخلع ليس من الطلقات الثلاث.
ويترتب على هذا القول أنَّ الخلع لا ينقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج، وأنَّ عدته حيضة واحدة على الراجح؛ ليتبين براءة الرحم.
لكن إن وقع الفراق بلفظ الطلاق مقابل العوض، فقد تختلف صفة الحكم بحسب اللفظ والقصد، ولذلك ينبغي توثيق الخلع بعبارة واضحة.
الفصل الخامس: الرجوع بعد الخلع
إذا حصل الخلع، لم يملك الزوج مراجعة المرأة في عدتها؛ لأنها قد بانت منه.
فإن أرادا العودة إلى الزواج، جاز ذلك بعقد جديد، ومهر جديد، ورضا المرأة ووليها، بعد انتهاء العدة، ما لم تكن قد بانت منه بثلاث طلقات.
ولا يجوز للزوج أن يعيد العوض إلى المرأة ثم يعلن رجعتها من تلقاء نفسه؛ لأنَّ الخلع فراق بائن، وليس طلاقًا رجعيًّا.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب التاسع
الفسخ والفرق بينه وبين الطلاق
الفصل الأول: تعريف فسخ النكاح
فسخ النكاح هو رفع عقد الزواج بحكم شرعي بسبب يقتضي ذلك، من غير أن يكون طلاقًا صادرًا من الزوج.
ويكون الفسخ بحكم القاضي أو الجهة الشرعية المختصة عند ثبوت سببه، وقد يقع في بعض الصور بحكم الشرع نفسه.
ومن أسباب الفسخ:
الضرر المستمر الذي يتعذر دفعه.
ترك النفقة مع عجز الزوجة عن تحصيل حقها.
الغيبة أو الفقد الطويل بحسب أحكامهما.
وجود عيب مؤثر يمنع مقصود النكاح.
الردة أو اختلاف الدين في الصور المعتبرة شرعًا.
ثبوت بطلان العقد أو فقد شرط من شروط صحته.
الإيلاء أو اللعان وما يلحق بهما من أحكام.
ولا يجوز لكل واحد من الزوجين أن يحكم بفسخ الزواج بنفسه لمجرد اعتقاده وجود سبب، بل يرجع في ذلك إلى القضاء أو أهل العلم المخولين بالنظر في النزاع.
الفصل الثاني: الفرق بين الطلاق والخلع والفسخ
الطلاق: يصدر في الأصل من الزوج، ويحسب من عدد الطلقات، وقد يكون رجعيًّا أو بائنًا.
الخلع: فراق بطلب الزوجة غالبًا، مقابل عوض تدفعه، والراجح أنَّه فسخ لا يحسب من عدد الطلقات إذا وقع بلفظه وصفته.
الفسخ: إنهاء للعقد بسبب شرعي، ويصدر بحكم القضاء أو الجهة المختصة، ولا يحسب من عدد الطلقات.
ومعرفة الفرق بين هذه الأنواع مهمة؛ لأنَّ لكل نوع آثارًا تتعلق بالرجعة والعدة والعوض وعدد الطلقات وإمكان العودة بعقد جديد.
الفصل الثالث: الفسخ بسبب الضرر
من مقاصد الشريعة رفع الضرر، وقد قال النبي ﷺ:
«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»
رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما، وصححه جماعة من أهل العلم بمجموع طرقه.
فإذا لحق أحد الزوجين ضرر مستمر يتعذر معه بقاء الحياة الزوجية، ولم يمكن دفعه بالإصلاح أو التحكيم، جاز طلب فسخ النكاح.
ومن صور الضرر:
الاعتداء البدني المتكرر.
السب والإهانة المستمرة.
الهجر الطويل بغير حق.
منع الحقوق الزوجية الواجبة.
الإدمان الذي يفسد الحياة الزوجية.
السلوك الإجرامي الذي يعرض الأسرة للخطر.
كل أذى جسيم يجعل استمرار العشرة متعذرًا.
ولا يكفي في القضاء مجرد الدعوى، بل لا بد من إثبات الضرر بالوسائل المعتبرة، كالإقرار أو الشهادة أو التقارير الطبية أو الرسائل الثابتة أو غير ذلك مما يقبله القضاء.
وإذا كان الضرر عاجلًا ويهدد النفس أو الأولاد، وجب الانتقال إلى مكان آمن والاستعانة بالجهات المختصة، ولا يجوز إلزام المتضرر بالبقاء في موضع يخشى فيه على نفسه.
الفصل الرابع: الفسخ بسبب ترك النفقة
نفقة الزوجة واجبة على زوجها بالمعروف، وتشمل الطعام والكسوة والسكن بحسب قدرة الزوج وعرف الناس.
قال الله تعالى:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾
[الطلاق: 7].
فإذا امتنع الزوج القادر عن النفقة ظلمًا، فللزوجة مطالبته بحقها، ويجبره القضاء على الإنفاق.
فإن استمر امتناعه وتعذر تحصيل النفقة، جاز لها طلب الفسخ لدفع الضرر.
أمَّا إذا كان الزوج معسرًا حقيقةً، فالواجب النظر في حاله وعدم تكليفه ما لا يستطيع. وللزوجة أن تصبر وتحتسب، ولها أن تطلب الفراق إذا عجزت عن الصبر وتضررت من انعدام النفقة.
قال تعالى:
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾
[البقرة: 280].
الفصل الخامس: الفسخ بسبب العيوب
إذا وجد في أحد الزوجين عيب مستحكم يمنع مقصود الزواج، أو يسبب ضررًا ظاهرًا، وكان الطرف الآخر لا يعلم به وقت العقد، جاز له طلب الفسخ.
ومن العيوب المؤثرة ما يمنع المعاشرة الزوجية، أو كان مرضًا معديًا خطيرًا، أو اضطرابًا شديدًا يجعل الحياة الزوجية غير مأمونة.
والمرجع في تقدير العيب وأثره إلى أهل الاختصاص من الأطباء الثقات، وإلى القضاء أو الجهة المخولة بالنظر الشرعي.
ولا يجوز التوسع في هذا الباب حتى يصبح كل مرض يسير أو نقص معتاد سببًا لهدم الأسرة؛ فالبشر لا يسلمون من الأمراض والعيوب، والعبرة بالضرر المؤثر وتعذر تحقيق مقصود النكاح.
الفصل السادس: الفسخ بسبب الغيبة والفقد
إذا غاب الزوج مدة طويلة، وانقطعت أخباره، وتضررت الزوجة بغيابه، رفعت أمرها إلى القضاء.
ويجتهد القاضي في البحث عنه، والتواصل معه، ومعرفة حاله، ثم يحكم بما يحفظ حق الزوجة بحسب مدة الغياب والضرر المترتب عليه.
أمَّا المفقود الذي لا تُعرف حياته ولا وفاته، فلا يجوز للزوجة أن تتزوج بمجرد انقطاع أخباره، بل تنتظر حكم القضاء؛ لأنَّ المسألة تتعلق ببقاء النكاح وثبوت الوفاة والعدة.
ولا يجوز تحديد مدة واحدة لكل الحالات دون نظر؛ لأنَّ ظروف الفقد ووسائل البحث ودرجة الخطر تختلف من واقعة إلى أخرى.
الفصل السابع: التفريق بسبب الشقاق المستمر
إذا اشتد النزاع بين الزوجين، وتعذر عليهما حل الخلاف، شُرع بعث حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾
[النساء: 35].
ويشترط في الحكمين:
العقل والحكمة.
العدالة والإنصاف.
معرفة حال الزوجين.
القدرة على حفظ الأسرار.
إرادة الإصلاح، لا نصرة أحد الطرفين بالباطل.
معرفة الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها النزاع.
وعلى الحكمين أن يسمعا من الطرفين، وألَّا يكتفيا برواية أحدهما، وأن ينظرا في أسباب الخلاف ووسائل علاجه.
فإن أمكن الإصلاح أصلحا، وإن ظهر أنَّ استمرار الزواج يزيد الضرر والشقاق، رُفع الأمر إلى الجهة المختصة لاتخاذ الحكم المناسب.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب العاشر
الحقوق المترتبة على الطلاق
الفصل الأول: وجوب التسريح بإحسان
أمر الله تعالى الزوج إذا لم يرد إمساك زوجته بالمعروف أن يفارقها بإحسان.
قال تعالى:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: 229].
والتسريح بإحسان يشمل:
أداء المهر والحقوق المالية.
عدم السب والإهانة.
عدم نشر أسرار الحياة الزوجية.
عدم الافتراء على الطرف الآخر.
عدم اتخاذ الأولاد وسيلة للانتقام.
التعاون فيما يحقق مصلحة الأطفال.
توثيق الطلاق والحقوق منعًا للنزاع.
عدم منع المرأة من الزواج بعد انتهاء عدتها.
فالطلاق لا يبيح الظلم، ولا يسقط حرمة المسلم، ولا يجيز لأحد الزوجين أن يحول ما عرفه من أسرار صاحبه إلى مادة للتشهير بين الناس.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾
[البقرة: 237].
الفصل الثاني: المهر بعد الطلاق
إذا طلق الرجل زوجته بعد الدخول بها، استقر لها المهر كاملًا.
وإذا طلقها قبل الدخول وقد سمَّى لها مهرًا، فلها نصف المهر المسمى، لقوله تعالى:
﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾
[البقرة: 237].
فإن لم يكن قد سمَّى لها مهرًا وطلقها قبل الدخول، فلها متعة بالمعروف بحسب حال الزوج.
قال تعالى:
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾
[البقرة: 236].
ولا يجوز للزوج أن يسترد شيئًا من مهر زوجته بعد الدخول لمجرد أنَّه اختار طلاقها، إلا إذا وقع خلع صحيح، أو ثبت سبب شرعي آخر.
الفصل الثالث: متعة المطلقة
متعة المطلقة هي ما يعطيه الزوج لمطلقته من مال أو لباس أو غير ذلك جبرًا لخاطرها، بحسب قدرته والعرف.
قال الله تعالى:
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
[البقرة: 241].
وقد اختلف أهل العلم في وجوبها في بعض الصور، لكنها من الإحسان الذي حث عليه الشرع، ولا سيما إذا وقع الطلاق دون إساءة من الزوجة.
وتقدر المتعة بحسب حال الزوج من اليسر والعسر، ومدة الزواج، وحال الزوجة، وما جرى به العرف، من غير إسراف ولا إجحاف.
الفصل الرابع: نفقة الأولاد
طلاق الزوجين لا يسقط حق الأولاد في النفقة.
فالنفقة على الأب بحسب استطاعته، وتشمل الطعام والكسوة والسكن والعلاج والتعليم وسائر الحاجات الأساسية بالمعروف.
قال الله تعالى:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[البقرة: 233].
ولا يجوز للأب أن يمنع النفقة انتقامًا من أم الأولاد، كما لا يجوز للأم أن تستعمل الأولاد للضغط على أبيهم أو المطالبة بما لا حق لها فيه.
فنفقة الأطفال حق لهم، لا مِنَّة من الأب ولا مالًا خاصًّا بالأم.
الفصل الخامس: الحضانة
الحضانة هي حفظ الطفل ورعايته وتربيته والقيام بمصالحه.
والأصل أنَّ الأم أحق بحضانة طفلها الصغير إذا كانت أهلًا للحضانة ولم يوجد مانع معتبر.
وقد قال النبي ﷺ للمرأة التي نازعها زوجها في ولدها:
«أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»
رواه أبو داود وأحمد، وحسنه جماعة من أهل العلم.
والمعتبر في جميع أحكام الحضانة هو مصلحة الطفل وحفظ دينه ونفسه وتربيته.
فإذا ثبت أنَّ الحاضن يعتدي على الطفل، أو يهمل صحته وتعليمه، أو يعرضه للخطر، انتقلت الحضانة إلى من هو أصلح له وفق حكم القضاء.
ولا يجوز أن تتحول الحضانة إلى معركة بين الأب والأم، فالطفل ليس ملكًا لأحدهما، وله حق في المحبة والرعاية والتواصل الآمن مع والديه.
الفصل السادس: رؤية الأولاد وزيارتهم
لكل واحد من الوالدين حق في رؤية أولاده والتواصل معهم بما يحقق مصلحتهم، ولا يجوز لأحدهما منع الآخر لمجرد الخصومة الشخصية.
وينبغي تنظيم الزيارة باتفاق واضح يراعي:
سن الطفل وحاجته.
دراسته وصحته.
أمنه النفسي والجسدي.
قدرة الأب والأم على رعايته.
بُعد المسافة بين المسكنين.
عدم تعريضه للمنازعات والمشاحنات.
فإذا ثبت أنَّ الزيارة تعرض الطفل لأذى محقق، وجب رفع الأمر إلى الجهات المختصة لتنظيمها أو الإشراف عليها أو منعها مؤقتًا بحسب مقدار الضرر.
الفصل السابع: تحريم الإضرار بالأولاد بعد الطلاق
من أعظم الظلم أن يجعل أحد الزوجين أبناءه وسيلةً للانتقام من الآخر، فيلقنهم الكراهية، أو يشوه صورة أبيهم أو أمهم، أو يمنعهم من صلة أحد والديهم دون سبب معتبر.
قال الله تعالى:
﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾
[البقرة: 233].
ومن الإضرار المحرم:
منع النفقة للضغط على الأم.
منع الزيارة انتقامًا من الأب.
حمل الأولاد على نقل الأخبار والأسرار.
تشويه صورة أحد الوالدين أمامهم.
تهديدهم بالتخلي عنهم.
إدخالهم في الخصومات القضائية دون حاجة.
إخفاء أمراضهم أو أحوالهم الدراسية عن أحد الوالدين.
الاعتداء عليهم بدنيًّا أو نفسيًّا.
والواجب أن يفصل الزوجان بين انتهاء العلاقة الزوجية وبقاء مسؤوليتهما المشتركة تجاه الأولاد.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الحادي عشر
أخطاء شائعة في باب الطلاق
الخطأ الأول: التهديد بالطلاق عند كل خلاف
يعتاد بعض الأزواج قول: «سأطلقك»، أو: «إن فعلت كذا فأنت طالق» كلما وقع خلاف يسير.
وهذا يذهب بهيبة عقد الزواج، ويجعل الأسرة تعيش في خوف دائم، وقد يؤدي إلى وقوع الطلاق حقيقةً بسبب لحظة غضب.
والواجب علاج الخلاف بالحوار والنصح والتحكيم، وعدم استعمال الطلاق سلاحًا للتهديد.
الخطأ الثاني: سؤال غير المتخصصين
من الناس من يسأل كل من عرفه عن واقعة الطلاق، فيأخذ من هذا جوابًا، ومن آخر جوابًا مخالفًا، فيزداد اضطرابه.
ومسائل الطلاق من أخطر أبواب الفتوى، ولا يجوز أن يتصدر لها من لا يعرف أحكامها، أو يحكم بمجرد العاطفة.
قال الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43].
والواجب عرض الواقعة على عالم موثوق، مع نقل اللفظ كاملًا وبيان الحال دون زيادة أو نقصان.
الخطأ الثالث: الاكتفاء بسماع أحد الزوجين
لا يصح الحكم في نازلة طلاق بسماع الزوجة وحدها أو الزوج وحده عند وجود النزاع؛ فقد يخطئ الناقل في اللفظ، أو ينسى بعض الملابسات، أو ينقل المعنى دون العبارة الدقيقة.
ولهذا ينبغي سماع الزوج الذي صدر منه الطلاق، والتحقق من اللفظ وحاله ودرجة غضبه وعدد الطلقات السابقة.
الخطأ الرابع: الخلط بين عدم النية وفقدان الإدراك
من تلفظ بصريح الطلاق وهو عاقل مدرك مختار لا يكفيه أن يقول: «لم أنوِ الفراق»، لأنَّ الطلاق الصريح يقع في الأصل دون سؤال عن نية معناه.
أمَّا إذا بلغ به الغضب حد زوال العقل والإدراك، فلم يعِ ما يقول، فهذه مسألة أخرى تدخل في حديث:
«لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ».
فالفرق كبير بين من أدرك كلامه ثم ندم، وبين من أُغلق عليه فلم يعقل ما صدر منه.
الخطأ الخامس: الاعتقاد أنَّ طلاق الحامل لا يقع
يعتقد بعض الناس أنَّ الحامل لا يقع عليها الطلاق، وهذا غير صحيح.
فطلاق الحامل واقع إذا استوفى شروطه، بل هو طلاق موافق للسنة من جهة الوقت، وعدتها تنتهي بوضع الحمل.
الخطأ السادس: إخراج المطلقة الرجعية من البيت
يسارع بعض الأزواج بعد الطلقة الأولى أو الثانية إلى إخراج الزوجة من بيتها، أو تسارع هي إلى مغادرته دون ضرورة، وهذا مخالف لما أمر الله به.
قال تعالى:
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾
[الطلاق: 1].
والحكمة من بقائها أن تبقى فرصة الرجعة والإصلاح قائمة، ما لم يكن في بقائها ضرر أو خطر.
الخطأ السابع: إخفاء الطلاق وعدم توثيقه
قد يطلق الرجل زوجته ثم يخفي الأمر، أو يراجعها دون إشهاد أو توثيق، فتضيع التواريخ ويقع النزاع في عدد الطلقات وانتهاء العدة.
والواجب توثيق الطلاق والرجعة لدى الجهات المختصة، مع الإشهاد عليهما؛ صيانةً للحقوق والأنساب ومنعًا للخصومة.
الخطأ الثامن: الاعتقاد أن الطلاق لا يقع إلا أمام المحكمة
الحكم الشرعي للطلاق لا يتوقف في أصله على صدور وثيقة مدنية أو حكم قضائي، فإذا صدر من الزوج طلاق مستوفٍ لشروطه وقع شرعًا، ولو لم يوثق رسميًّا.
لكن توثيقه واجب من جهة حفظ الحقوق والالتزام بالأنظمة التي لا تخالف الشرع، ولا يجوز ترك المرأة معلقة بين الواقع الشرعي والوثائق الرسمية.
الخطأ التاسع: إفشاء أسرار الحياة الزوجية
يحدث بعد الطلاق أن ينشر أحد الزوجين أسرار الآخر، أو رسائله الخاصة، أو عيوبه، أو تفاصيل المعاشرة الزوجية.
وهذا من الخيانة والظلم، وقد قال النبي ﷺ:
«إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا»
رواه مسلم.
فحرمة الأسرار لا تنتهي بانتهاء الزواج.
الخطأ العاشر: بناء الأحكام على الوساوس
قد يُبتلى بعض الأزواج بالوسواس، فيشك هل تلفظ بالطلاق، أو يتخيل أنَّ كلمة خرجت منه، أو يعيد في ذهنه عبارات الطلاق حتى يظن أنَّه نطق بها.
والأصل بقاء النكاح، فلا يزول بالشك ولا بالوهم.
فمن لم يتيقن أنَّه تلفظ بالطلاق، لم يقع منه شيء، ولا ينبغي له أن يفتش في ذاكرته أو يسجل كل كلمة يقولها؛ لأنَّ الاسترسال مع الوسواس يزيده.
وعلى الموسوس أن يعرض عن شكه، ولا يكثر سؤال المفتين عن الواقعة نفسها، وأن يستعين بالله تعالى، ويطلب العلاج عند الحاجة.
الخطأ الحادي عشر: إخفاء عدد الطلقات السابقة
يذكر بعض الأزواج للمفتي الطلقة الأخيرة، ويخفي ما سبقها، أو يزعم أنَّها أول طلقة مع علمه بوقوع طلاق قبلها.
وهذا من الغش والكذب والتلاعب بحدود الله؛ لأنَّ الحكم يختلف بين الطلقة الأولى والثانية والثالثة.
فالواجب بيان جميع الوقائع، وتاريخ كل طلاق، واللفظ المستعمل، وهل حصلت رجعة أو عقد جديد، حتى يكون الحكم مبنيًّا على صورة صحيحة.
الخطأ الثاني عشر: البحث عن فتوى توافق الهوى
قد يسأل الزوج عددًا من المفتين، فإذا أفتاه أحدهم بوقوع الطلاق ترك قوله، وظل يبحث حتى يجد من يقول بعدم وقوعه، أو تفعل الزوجة عكس ذلك.
وهذا من تتبع الرخص المذموم إذا كان المقصود الوصول إلى الحكم المرغوب، لا معرفة حكم الله.
والواجب اختيار العالم المعروف بالعلم والديانة والتثبت، ثم بيان الواقعة له كاملة والعمل بما يظهر له من حكمها.
أمَّا إذا كانت المسألة قضائية متنازعًا فيها، فالمرجع إلى القضاء المختص؛ لأنَّ حكم القاضي يرفع الخلاف في الواقعة المعينة.
الخطأ الثالث عشر: تدخل غير المؤهلين في قضايا الطلاق
من أخطر الأخطاء أن يتصدر بعض الناس للحكم في الطلاق من غير علم، فيفرقون بين زوجين بكلمة، أو يعيدون امرأة إلى رجل لا تحل له، أو يطلقون أحكامًا عامة دون فهم تفاصيل الواقعة.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36].
وقال سبحانه:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].
فلا يجوز للأقارب أو الأصدقاء أن يحكموا بوقوع الطلاق أو عدمه بناءً على تجاربهم الشخصية، وإنما عليهم توجيه الزوجين إلى أهل العلم.
الخطأ الرابع عشر: اعتبار كل غضب مانعًا من وقوع الطلاق
كل طلاق تقريبًا يسبقه خلاف أو غضب، ولو قيل إنَّ كل طلاق في الغضب لا يقع لتعطلت أكثر أحكام الطلاق.
فالغضب اليسير أو المعتاد الذي لا يزيل العقل ولا الإدراك لا يمنع وقوع الطلاق.
وإنما ينظر في الغضب الشديد الذي يغلق على صاحبه قصده وإدراكه، فلا يعلم ما يقول، أو لا يملك نفسه ملكًا معتبرًا.
ولهذا لا يكفي أن يقول الرجل: «كنت غاضبًا»، بل لا بد من وصف حاله بدقة، وسماع من حضر، والنظر في مدى إدراكه وذكره للواقعة.
الخطأ الخامس عشر: إطلاق الحكم بناءً على التسجيل وحده
قد يثبت التسجيل أنَّ الزوج نطق بلفظ الطلاق، لكنه لا يكشف دائمًا جميع الملابسات: فقد يكون الكلام حكايةً أو تعليمًا، وقد يكون صدر تحت إكراه، أو في حال زوال الإدراك.
فالتسجيل والرسائل من القرائن المهمة، لكنها لا تغني عن استكمال السؤال والتحقق من السياق.
كما لا يجوز تسجيل المحادثات أو نشرها بقصد التشهير والانتقام، وإنما تقدم عند الحاجة إلى أهل العلم أو القضاء أو الجهات المختصة بحفظ الحقوق.
الخطأ السادس عشر: إجبار الزوجة على التنازل عن حقوقها
قد يمتنع بعض الأزواج عن الطلاق مع استحالة العشرة، لا رغبةً في الإصلاح، وإنما حتى تتنازل الزوجة عن مهرها ونفقتها وسائر حقوقها.
وهذا من العضل والإضرار المحرمين، قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾
[النساء: 19].
كما لا يجوز للمرأة أن تطالب بما ليس لها، أو تستعمل الأولاد والاتهامات الباطلة للضغط على الزوج.
فالواجب على الطرفين أداء الحقوق بالعدل، ولو انتهت المودة بينهما.
إِذَا اسْتَحْكَمَ الشِّقَاقُ وَحَلَّ الفِرَاقُ
الباب الثاني عشر
خطوات عملية قبل الطلاق وبعده
الفصل الأول: ما ينبغي فعله قبل الطلاق
قبل أن يقدم الزوج على الطلاق، ينبغي له أن يسلك مراحل الإصلاح التي أرشد إليها الشرع، وأهمها:
أولًا: التثبت من سبب الخلاف
ينظر الزوجان في حقيقة المشكلة: هل هي مشكلة دينية أو أخلاقية؟ أم خلاف مالي؟ أم تدخل من الأهل؟ أم سوء تواصل؟ أم مجرد تراكمات يمكن علاجها؟
وتحديد سبب النزاع نصف طريق العلاج؛ لأنَّ الأحكام المبنية على الغضب والانفعال تكون غالبًا غير متوازنة.
ثانيًا: الحوار الهادئ
يختار الزوجان وقتًا مناسبًا بعيدًا عن الخصومة، ويعرض كل واحد منهما ما يراه من أخطاء ومشكلات، دون سب أو تهديد أو مقاطعة.
ولا ينبغي استحضار جميع أخطاء السنوات الماضية في كل خلاف؛ فإنَّ ذلك يمنع الوصول إلى حل.
ثالثًا: الوعظ والتذكير بالله
يذكر كل واحد منهما صاحبه بحقوق الله، وبحرمة الظلم، وبفضل العفو والصبر، وبما بينهما من عشرة وأولاد ومصالح مشتركة.
قال الله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
[النساء: 19].
رابعًا: الاستعانة بأهل الحكمة
إذا عجز الزوجان عن حل خلافهما، استعانا بشخصين عاقلين من أهل الخير، يعرفان حالهما، ويحفظان أسرارهما، ويريدان الإصلاح.
ولا يُدخل في النزاع من يزيده اشتعالًا، أو يتعصب لأحد الطرفين، أو ينشر الأسرار بين الناس.
خامسًا: الاستشارة والاستخارة
يسأل الزوج أهل العلم عن الحكم الشرعي، ويستشير العقلاء في النتائج المتوقعة، ويستخير الله تعالى قبل اتخاذ القرار النهائي.
ولا تكون الاستخارة بديلًا عن التفكير وبذل أسباب الإصلاح، بل تكون بعد النظر والاستشارة.
سادسًا: النظر في حال الأولاد
ينظر الزوجان في أثر القرار على الأولاد، وكيف تحفظ تربيتهم ونفقتهم وصلتهم بوالديهم إذا وقع الفراق.
ولا يعني وجود الأولاد وجوب استمرار زواج شديد الضرر، لكنه يوجب مزيدًا من التروي ووضع خطة تحميهم من آثار النزاع.
الفصل الثاني: الطريقة الشرعية لإيقاع الطلاق
إذا تعذر الإصلاح، ورأى الزوج أنَّ الفراق هو الأصلح، فعليه أن يلتزم الطريقة الشرعية:
يتأكد أنَّ زوجته ليست حائضًا ولا نفساء.
يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، أو حال كونها حاملًا.
يوقع طلقة واحدة فقط.
يستعمل لفظًا واضحًا لا يحتمل النزاع.
يشهد على الطلاق رجلين عدلين.
يثبت تاريخ وقوع الطلاق.
يوثق الطلاق لدى الجهة المختصة.
لا يخرج المطلقة الرجعية من بيتها.
يؤدي إليها حقوقها دون مماطلة.
يترك باب الرجعة مفتوحًا في العدة إن ظهر لهما الإصلاح.
ولا يحتاج الزوج إلى جمع الطلقات الثلاث؛ فإنَّ طلقةً واحدة تحقق الفراق، وتبقي مجالًا للمراجعة.
الفصل الثالث: ما يجب بعد وقوع الطلاق
بعد وقوع الطلاق، يجب على الزوجين:
التحقق من نوع الطلاق وعدده.
تحديد بداية العدة.
حفظ جميع الوثائق المتعلقة بالزواج والطلاق.
ضبط الحقوق المالية.
تنظيم نفقة الأولاد وحضانتهم وزيارتهم.
الامتناع عن نشر الأسرار.
منع الأقارب من توسيع الخصومة.
عدم اتخاذ الأطفال وسطاء بين الوالدين.
الرجوع إلى أهل العلم فيما أشكل.
الالتزام بالإجراءات النظامية التي تحفظ الحقوق ولا تخالف الشرع.
الفصل الرابع: ضوابط السؤال عن واقعة الطلاق
حتى تكون الإجابة صحيحة، ينبغي أن يشتمل السؤال على المعلومات الآتية:
اللفظ الذي نطق به الزوج حرفيًّا.
عدد مرات تكرار اللفظ.
تاريخ الواقعة.
حال الزوج وقت التلفظ.
درجة غضبه ومدى إدراكه.
هل كان مكرهًا أو مختارًا؟
هل كان يحكي كلامًا أم ينشئ الطلاق؟
هل كانت العبارة صريحة أم محتملة؟
هل توجد طلقات سابقة؟
هل حصلت رجعة أو عقد جديد؟
هل كانت الزوجة حائضًا أو نفساء؟
هل كتب الطلاق أو أرسله عبر الهاتف؟
إن كان معلقًا، فما الشرط وما قصد الزوج منه؟
هل وقع الشرط حقيقةً؟
ولا يجوز حذف بعض المعلومات ظنًّا أنَّها غير مهمة؛ فقد يتغير الحكم بتفصيل صغير.
الفصل الخامس: الفرق بين الفتوى والقضاء
الفتوى بيان للحكم الشرعي بحسب ما يذكره المستفتي من معلومات.
أمَّا القضاء فهو حكم ملزم يصدر بعد سماع الخصوم، والنظر في البينات والوثائق والقرائن.
فقد يفتي العالم بحسب قول الزوج، ثم تظهر أمام القاضي بينة تخالف دعواه، فيحكم القاضي بما ثبت لديه.
ولهذا فإنَّ قضايا النزاع، والحقوق المالية، والحضانة، وإنكار الطلاق، تحتاج إلى القضاء، ولا تكفي فيها الفتوى الفردية دائمًا.
وصايا جامعة للزوج
اتق الله في زوجتك، ولا تجعل الطلاق وسيلة لإذلالها.
لا تتلفظ بالطلاق عند اشتداد الغضب.
لا تحلف بالطلاق في معاملاتك وخصوماتك.
لا تجمع الطلقات الثلاث.
استشر أهل العلم قبل الإقدام على الطلاق.
إن طلقت، فطلِّق على السنة.
لا تكذب في عدد الطلقات أو في حالك وقت وقوعها.
لا تخرج المطلقة الرجعية من بيتها.
أدِّ المهر والنفقة وسائر الحقوق.
لا تشهر بمطلقتك ولا تكشف أسرارها.
لا تمنع أولادك نفقتهم بسبب خلافك مع أمهم.
لا تراجع زوجتك بقصد الإضرار بها.
إن قررت الفراق، فليكن تسريحك بإحسان.
وصايا جامعة للزوجة
اتقي الله في زوجك، ولا تطلبي الطلاق من غير سبب معتبر.
لا تستعملي التهديد أو الاستفزاز لدفعه إلى التلفظ بالطلاق.
لا تنقلي واقعة الطلاق بغير لفظها الحقيقي.
لا تكتمي الحيض أو الحمل أو انتهاء العدة.
لا تنكري الرجعة الثابتة في العدة.
لا تستعملي الأولاد للانتقام من أبيهم.
لا تمنعيه من رؤيتهم دون ضرر معتبر.
لا تنشري أسرار الحياة الزوجية.
طالبي بحقوقك بالطرق الشرعية والنظامية.
إذا كان بقاؤك يعرضك أو أولادك للخطر، فانتقلي إلى مكان آمن واستعيني بالجهات المختصة.
اطلبي الفتوى من أهل العلم، ولا تبني حكمك على كلام العامة.
إن وقع الفراق، فاحفظي المعروف السابق ولا تقابلي الظلم بظلم.
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد تناول هذا الكتاب جملةً من أهم أحكام الطلاق التي يحتاج إليها الأزواج والأسر، وبيَّن أنَّ الطلاق حكم شرعي محكم، وليس كلمةً عابرة ولا وسيلةً للغضب والتهديد.
فالزواج ميثاق غليظ، والأصل فيه الدوام والاستقرار، ولا ينبغي هدمه بسبب خلاف يسير أو انفعال مؤقت. فإذا ظهرت أسباب النزاع، وجب بذل النصح والصبر والتحكيم والإصلاح، فإن استحكم الشقاق وتعذرت العشرة، شرع الله الفراق رحمةً بعباده ودفعًا للضرر عنهم.
وقد أحاطت الشريعة الطلاق بجملة من الضوابط؛ فبيَّنت من يصح طلاقه، والألفاظ التي يقع بها، والوقت المشروع لإيقاعه، وعدد الطلقات، وأحكام الرجعة والعدة والنفقة والسكنى والحضانة.
ومن أعظم ما ينبغي التحذير منه التسرع في الفتوى في هذا الباب؛ لأنَّ الحكم في واقعة واحدة قد يتعلق بتفاصيل دقيقة، كلفظ الزوج، وحاله، ودرجة غضبه، وقصده في ألفاظ الكناية والتعليق، وعدد الطلقات السابقة.
فالواجب على المسلم أن يتقي الله في قوله وفعله، وألَّا يتلاعب بحدود الله، وأن يرد ما أشكل عليه إلى العلماء المعروفين بالعلم والورع والتثبت.
كما يجب على الزوجين إذا وقع الفراق أن يحفظ كل واحد منهما حق الآخر، وأن يتذكرا قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾
[البقرة: 237].
فليكن الفراق بعيدًا عن الظلم والتشهير والانتقام، وليتعاون الأبوان على حفظ دين أولادهما ونفوسهم وتربيتهم، فإنَّ انتهاء الزوجية لا ينهي مسؤولية الأبوة والأمومة.
نسأل الله تعالى أن يصلح بيوت المسلمين، وأن يؤلف بين قلوب الأزواج، وأن يرفع عنهم الشقاق والنزاع، وأن يرزقهم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل هذا الكتاب نافعًا مباركًا، خالصًا لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى
في يوم السبت 30 ربيع الأول 1448هـ
الموافق 12 سبتمبر 2026م
فيا أيها الشباب المبارك، ويا طلاب العلم، اتقوا الله تعالى في أنفسكم، واعلموا أنَّ العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم، ....
أقرأ المزيد