الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أما بعد:
فإنَّ التفقه في الدين من أجلِّ العبادات، وأعظم القربات، وهو علامة إرادة الخير بالعبد؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين» (متفق عليه).
وذلك لأن التفقه في الدين يورث العلم النافع الذي يقوم عليه العمل الصالح، إذ لا يُتصور عمل صحيح مقبول إلا إذا كان مبنيًا على علم وبصيرة.
ولهذا قرر أهل العلم أن العلم قبل القول والعمل، كما قال الله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: 19]،
فبدأ سبحانه بالعلم قبل القول والعمل.
وقد حذّر الله تعالى من القول بلا علم، فقال جل وعلا:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]،
وقال سبحانه:
﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
وقد بيّن الإمام ابن باز رحمه الله
أن هذه الآيات تدل على وجوب التثبت، وتحريم الكلام بغير علم، وأن العبد مسؤول عن سمعه وبصره وقلبه، فلا يقول إلا عن بصيرة، ولا يعتقد إلا عن علم.
ومن عظيم منزلة العلم وأهله أن الله سبحانه استشهد العلماء على أعظم مشهود، وهو توحيده، فقال:
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18].
قال ابن كثير رحمه الله: هذه خصوصية عظيمة للعلماء، حيث قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته.
كما أن العلم سبب الخشية الحقيقية لله تعالى، قال سبحانه:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]،
فكلما ازداد العبد علمًا، ازداد خشيةً لله، وكلما نقص علمه، نقصت خشيته.
وللعلماء منزلة رفيعة في الدنيا والآخرة، قال تعالى:
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
فرفعهم الله بعلمهم وعملهم، وفضّلهم على غيرهم.
ومن عظيم شأن العلم أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب المزيد منه، فقال:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114]،
فلم يأمره بالازدياد من شيء إلا من العلم.
كما رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في طلب العلم، فقال:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة» (رواه مسلم)،
وقال:
وإن العلماء ورثة الأنبياء (رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).
وقال الإمام أحمد رحمه الله في وصف العلماء:
"يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصّرون بنور الله أهل العمى... ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
ومن أعظم ميادين التفقه:
القرآن الكريم تعلمًا وتعليمًا وتدبرًا؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
خيركم من تعلم القرآن وعلمه (رواه البخاري).
فالقرآن هو أصل الهداية، ونور القلوب، وسبب النجاة، قال تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
وقد توعّد الله من أعرض عنه بالضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 124].
وقد بيّن السلف رحمهم الله أن المقصود من القرآن ليس مجرد التلاوة، بل العمل به، قال الحسن البصري:
"إنما أُنزِل القرآن ليُعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً".
وقال ابن مسعود رضي الله عنه:
"إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع".
وقال ابن القيم رحمه الله:
"ليس شيء أنفع للعبد من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه".
وقال السعدي رحمه الله:
"تدبر كتاب الله مفتاح للعلوم والمعارف، وبه يزداد الإيمان، وتترسخ شجرته في القلب".
ومن علامات التدبر الصادق:
خشوع القلب، وتأثر النفس، وزيادة الإيمان، كما قال تعالى:
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]،
وقال سبحانه:
﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: 83].
الخاتمة
إن التفقه في الدين سبيل النجاة، وطريق السعادة في الدنيا والآخرة، ولا صلاح للأفراد ولا للأمة إلا بالعلم النافع والعمل الصالح.
فحريٌّ بكل مسلم أن يُقبل على طلب العلم، وأن يعتني بكتاب الله وسنة رسوله، تعلمًا وفهمًا وعملاً، حتى يكون على بصيرة من أمره.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: فضيلة الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم حسان بليدي حفظه الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ....
أقرأ المزيد