الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أمّا بعد: فإنَّ علم الجرح والتعديل من أجلِّ علوم الشريعة وأدقِّها، وقد قام عليه أئمةٌ عُرفوا بالعلم والعدالة والورع والإنصاف. وليس هذا العلم ميدانًا لكل متصدِّر، ولا وسيلةً للطعن في العلماء والدعاة وتتبع عثراتهم. وقد ابتُليت الساحة بأقوامٍ يخوضون في أعراض أهل العلم بلا تأصيل ولا تثبُّت، بل إن بعضهم لا يحسن مبادئ اللغة العربية ولا يعرف قواعد هذا الفن. فاتخذوا الجرح والتعديل ستارًا للخصومات الشخصية والتعصب، فظلموا الأبرياء ولبَّسوا على العامة. والواجب ردُّ هذا العلم إلى أهله، والتزام العدل والتقوى، وصيانة الألسنة عن البهتان والعدوان. فبين أمانة العلماء وعبث المتعالمين بونٌ بعيد، والله المستعان.
علم الجرح والتعديل ومعرفة أحوال الرواة
علم الجرح والتعديل من أجلِّ علوم الحديث وأدقها؛ إذ به تُعرف أحوال نقلة السنة من حيث القبول والرد، ويُميَّز الحافظ المتقن من سيئ الحفظ، والصادق من الكاذب، والثقة من الضعيف، ومَن سمع من شيوخه ممن لم يسمع منهم.
ولم يكن كلام أئمة النقد في الرواة قائمًا على الهوى أو الخصومة، وإنما كان مبنيًّا على المعرفة الواسعة بأحاديث الراوي، ومقارنتها بروايات الثقات، والنظر في سيرته وأمانته وضبطه.
ولا يُعد الكلام في الرواة من الغيبة المحرمة إذا كان بقصد حفظ الدين، وكان صادرًا عن علم وعدل وإنصاف؛ لأن حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب، ولا يتم ذلك إلا ببيان حال ناقليها.
الفصل الأول
تعريف الجرح والتعديل
الجرح
الجرح هو:
وصف الراوي بما يقتضي رد روايته أو تضعيفها.
ويكون الجرح بسبب يتعلق بعدالته، مثل:
الكذب.
التهمة بالكذب.
الفسق.
الجهالة.
البدعة المؤثرة في الرواية.
وقد يكون بسبب يتعلق بضبطه، مثل:
سوء الحفظ.
كثرة الخطأ.
الغفلة.
الاختلاط.
مخالفة الثقات.
اضطراب الحديث.
عدم ضبط الكتاب.
التعديل
التعديل هو:
وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته من جهة عدالته وضبطه.
فيقال في الراوي:
ثقة.
ثبت.
حافظ.
متقن.
صدوق.
لا بأس به.
صالح الحديث.
وتختلف دلالة هذه الألفاظ بحسب مرتبتها واصطلاح الإمام الذي استعملها.
الفصل الثاني
مشروعية الجرح والتعديل
ثبت عن أئمة السلف الكلام في الرواة عند الحاجة إلى حفظ السنة وبيان الخطأ.
وليس هذا من الغيبة المحرمة؛ لأن المقصود النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وقد أجمع أهل العلم على جواز بيان حال الراوي إذا توقف عليه قبول الخبر أو رده.
لكن الجرح والتعديل أمانة عظيمة، فلا يجوز فيه:
الكذب.
التعصب.
التشفي.
المبالغة.
نقل الكلام بلا تثبت.
جرح الراوي لأسباب شخصية.
إسقاطه بسبب مخالفة اجتهادية لا تقدح في عدالته.
اقتطاع كلام النقاد من سياقه.
والواجب أن يكون الناقد عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، متجردًا من الهوى، مستعملًا للعبارة التي تناسب حال الراوي.
الفصل الثالث
شروط الناقد
يشترط فيمن يتكلم في الرواة أن يكون:
عالمًا بأسباب الجرح والتعديل.
عارفًا باصطلاحات أئمة الحديث.
خبيرًا بأحاديث الراوي وشيوخه وتلاميذه.
قادرًا على مقارنة الروايات.
متثبتًا في النقل.
متجردًا من التعصب والخصومة.
عارفًا باختلاف الأعراف التي تتعلق بالمروءة.
ورعًا في ألفاظه وأحكامه.
فليس كل طالب علم مؤهلًا للحكم على الرواة، كما أن قراءة ترجمة مختصرة في كتاب واحد لا تكفي لإصدار حكم مستقل على راوٍ اختلف فيه النقاد.
الفصل الرابع
ثبوت العدالة والجرح
تثبت عدالة الراوي بأمور، منها:
اشتهاره بالعلم والفضل والضبط.
تنصيص إمام معتبر على توثيقه.
استقامة مروياته عند مقارنتها بروايات الثقات.
رواية النقاد عنه مع تصريحهم بالاحتجاج به.
ويثبت الجرح بأمور، منها:
إقرار الراوي بما يقدح في روايته.
بيان النقاد لأخطائه.
كثرة مخالفته للثقات.
ثبوت الكذب أو التهمة به.
ظهور سوء حفظه من خلال استقراء حديثه.
اضطراب كتابه أو دخول ما ليس من حديثه فيه.
ثبوت اختلاطه وعدم تمييز مَن روى عنه قبل الاختلاط وبعده.
ولا يكفي مجرد الحكايات المجهولة أو الخصومات الشخصية في جرح الراوي.
الفصل الخامس
تعارض الجرح والتعديل
إذا اجتمع في راوٍ جرح وتعديل، فلا يُحكم بمجرد عدِّ أقوال العلماء، بل يُنظر في الأدلة والتفصيلات.
ومن القواعد في ذلك:
تقديم الجرح المفسر
إذا بيّن الناقد سبب الجرح، وكان السبب معتبرًا وثبت وقوعه، قُدِّم الجرح المفسر على التعديل المجمل؛ لأن الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدِّل.
فإذا قال بعضهم: «ثقة»، وقال ناقد معتبر: «كان يخطئ في حديث فلان، وقد قلب هذا الحديث بعينه»، كان الجرح المفسر في ذلك الموضع مقدمًا.
عدم قبول الجرح المبهم مطلقًا
إذا قال الناقد: «ضعيف» من غير بيان، وخالفه أئمة وثقوا الراوي، احتاج الأمر إلى جمع الأقوال ومعرفة اصطلاح الناقد وسبب حكمه.
إمكان الجمع بين القولين
قد يكون الراوي ثقة في حال، ضعيفًا في حال أخرى، مثل:
ثقة قبل الاختلاط، ضعيف بعده.
صحيح الكتاب، سيئ الحفظ.
ثقة في روايته عن بعض شيوخه، ضعيف في غيرهم.
ضابط في بلده، مضطرب بعد سفره.
مستقيم الحديث قديمًا، تغير حفظه في آخر عمره.
فلا تعارض حينئذ بين التوثيق والتضعيف؛ لأن كل إمام وصف جانبًا أو زمنًا أو نوعًا من روايته.
الفصل السادس
مراتب ألفاظ التعديل
ألفاظ التعديل متفاوتة، ومن أعلاها إلى ما دونها:
المرتبة الأولى
الألفاظ الدالة على المبالغة في التوثيق، مثل:
أوثق الناس.
إليه المنتهى في التثبت.
لا يُسأل عن مثله.
أثبت الناس في فلان.
وهذه من أعلى مراتب التعديل.
المرتبة الثانية
مثل:
ثقة ثبت.
ثقة حافظ.
ثبت حجة.
ثقة متقن.
إمام حافظ.
وأحاديث أصحاب هذه المرتبة من أقوى الروايات إذا سلمت من الشذوذ والعلة.
المرتبة الثالثة
مثل:
ثقة.
ثبت.
حجة.
متقن.
وهذه ألفاظ تدل على قبول رواية الراوي والاحتجاج به في الجملة.
المرتبة الرابعة
مثل:
صدوق.
لا بأس به.
مأمون.
محله الصدق.
خيار.
صالح الحديث.
وهذه الألفاظ تدل على قبول الراوي في الجملة، لكن حديثه قد يكون في مرتبة الحسن، ويحتاج إلى مزيد نظر عند التفرد والمخالفة.
المرتبة الخامسة
مثل:
شيخ.
يُكتب حديثه.
يُعتبر به.
مقارب الحديث.
صالح.
وهذه العبارات لا تدل وحدها على قوة الاحتجاج، بل يُكتب حديث الراوي ويُنظر فيه، ويُستفاد منه في المتابعات والشواهد بحسب حاله.
الفصل السابع
ضوابط فهم ألفاظ التعديل
لا يجوز أخذ لفظ واحد من ترجمة الراوي وترك بقية كلام النقاد.
فقد يقول الإمام:
صدوق يهم.
ثقة إلا في حديث فلان.
صالح الحديث، لكنه اختلط.
ثقة من كتابه، ضعيف من حفظه.
لا بأس به إذا روى عن أهل بلده.
ثبت، لكنه كان يدلس.
صدوق له أوهام.
فالجزء الثاني من العبارة قيد مؤثر لا يجوز إسقاطه.
كما أن ألفاظ النقاد تختلف باختلاف اصطلاحاتهم؛ فقد يكون قول أحدهم: «لا بأس به» توثيقًا قويًّا، ويكون عند غيره دون مرتبة الثقة.
ولهذا يُفهم كلام كل إمام باستقراء استعمالاته، لا بمجرد حمل ألفاظ جميع النقاد على مرتبة واحدة.
الفصل الثامن
مراتب ألفاظ الجرح
ألفاظ الجرح متفاوتة، ومن أخفها إلى أشدها:
المرتبة الأولى
مثل:
فيه لين.
لين الحديث.
ليس بذاك القوي.
يُكتب حديثه ولا يُحتج به.
في حديثه شيء.
وهذه تدل غالبًا على ضعف يسير، وقد يصلح حديث صاحبها للاعتبار.
المرتبة الثانية
مثل:
ضعيف.
منكر الحديث.
مضطرب الحديث.
سيئ الحفظ.
كثير الخطأ.
لا يحتج به.
ويحتاج حديث صاحب هذه المرتبة إلى متابع معتبر، ولا يُقبل تفرده في الأصل.
المرتبة الثالثة
مثل:
ضعيف جدًّا.
واهٍ.
ليس بشيء.
متروك الحديث.
ساقط.
ذاهب الحديث.
وهذا ضعف شديد، ولا تصلح رواية صاحبه للتقوية في الغالب.
المرتبة الرابعة
مثل:
متهم بالكذب.
متهم بالوضع.
يسرق الحديث.
دجال.
وهذه من أشد مراتب الجرح، وحديث صاحبها شديد الضعف.
المرتبة الخامسة
مثل:
كذاب.
وضاع.
يضع الحديث.
أكذب الناس.
وهذه أعلى مراتب الجرح، وما ينفرد به صاحبها من الموضوعات والمكذوبات.
الفصل التاسع
الجرح المفسر والجرح المبهم
الجرح المفسر هو الذي يبين الناقد سببه، كقوله:
كان يقلب الأسانيد.
يروي المناكير عن الثقات.
اختلط في آخر عمره.
لم يسمع من فلان.
كتابه غير مضبوط.
كان يلقن فيتلقن.
كذب في حديث معين.
أما الجرح المبهم فهو أن يقول:
ضعيف.
ليس بشيء.
لا يعجبني حديثه.
من غير بيان للسبب.
والجرح المفسر أقوى في موضعه؛ لأنه قائم على سبب معلوم يمكن دراسته والتحقق منه.
لكن ليس معنى ذلك رد جميع أحكام الأئمة المجملة؛ فقد يكون الإمام معروفًا بالخبرة والاستقراء، وتكون عبارته المجملة ذات قيمة كبيرة، ولا سيما إذا وافقه غيره.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى
فيا أيها الشباب المبارك، ويا طلاب العلم، اتقوا الله تعالى في أنفسكم، واعلموا أنَّ العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم، ....
أقرأ المزيد