الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
ضيف الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

يُذكر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله في تاريخ العلم الشرعي المعاصر بوصفه عالمًا امتد أثره من مجلس الدرس إلى القضاء، ومن الجامعة إلى الإفتاء العام. ولم تكن مكانته ثمرة منصب واحد؛ فقد قضى عقودًا في التعلّم والتعليم، ثم في الإجابة عن أسئلة الناس، ومتابعة شؤون الدعوة وطلاب العلم.

مولده ونشأته

وُلد الشيخ في الرياض سنة ١٣٣٠هـ، الموافق ١٩١٢م، في أسرة عُرفت بالعلم والفضل. توفي والده وهو صغير، فنشأ في رعاية أمه. بدأ بحفظ القرآن الكريم، وأتمه في سن مبكرة، ثم تعلّم القراءة والكتابة وشرع في دراسة العربية والعلوم الشرعية. وقد أصيب في شبابه بمرض أضعف بصره، ثم فقده تمامًا. غير أن فقد البصر لم يقطع صلته بالكتب ومجالس العلم؛ فاعتمد على الحفظ والسماع، وعلى من يقرأون له، وواصل البحث والمذاكرة طوال حياته.

وتكشف هذه المرحلة عن جانب مهم من سيرته: فقد جمع بين الصبر على عارض جسدي شديد وبين انتظامه في طلب العلم. وكان قبل فقد بصره قد قرأ وكتب ودوّن بعض التعليقات، ثم استمر في التحصيل بوسائل أخرى. ولذلك فإن الحديث عن علمه لا ينفصل عن المثابرة التي لازمته منذ شبابه.

شيوخه وتكوينه العلمي

درس الشيخ على عدد من علماء الرياض، منهم محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، وصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وسعد بن حمد بن عتيق. وكان أبرز شيوخه محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، الذي لازمه سنوات طويلة وقرأ عليه في العلوم الشرعية. وقد أثّرت هذه الملازمة في تكوينه الفقهي، وفي طريقته في تناول مسائل العقيدة والأحكام والفتوى.

ولم ينظر إلى انتهاء مرحلة التلقي على أنها انتهاء لطلب العلم. فقد ظل يقرأ عليه طلابه ومعاونوه، ويستمع إلى الكتب والبحوث، ويناقش المسائل مع أهل العلم. وهكذا اجتمع له ما حصّله عن مشايخه في شبابه مع دوام المراجعة والبحث في سنوات عمله.

القضاء وبداية التعليم العام

في سنة ١٣٥٧هـ عُيّن قاضيًا في منطقة الخرج، واتخذ من الدلم مقرًا لعمله. كان القضاء آنذاك يتصل بأوجه كثيرة من حياة الناس: الفصل في الخصومات، والمواريث، والوصايا، وعقود الأنكحة، والعناية ببعض شؤون المساجد. وإلى جانب هذه المسؤوليات كان يخطب ويؤم الناس ويعلمهم، فصار المسجد ومجلس القضاء ميدانين متكاملين لخدمته العلمية.

ثم انتقل إلى الرياض وعمل بالتدريس في المعهد العلمي، وبعده في كلية الشريعة. وفي هذه المرحلة اتسع أثره المباشر في طلاب العلم، وانتقل ما تعلمه عن مشايخه إلى جيل جديد يدرس على يديه ثم يواصل التعليم والدعوة في مواضع أخرى.

الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية

تولى سنة ١٣٨١هـ منصب نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ثم أصبح رئيسًا لها سنة ١٣٩٠هـ. وكانت الجامعة تستقبل طلابًا من بلدان متعددة؛ ولذلك تجاوز أثر الشيخ حدود المكان الذي كان يدرّس أو يعمل فيه. فقد حمل طلاب الجامعة ما تعلموه إلى مجتمعاتهم، وظل كثير منهم يتصلون به بالسؤال والمراسلة.

وفي هذه المرحلة لم ينصرف إلى الإدارة وحدها؛ بل بقي حاضرًا في الدروس والمحاضرات وتوجيه الطلاب. وتدل مسيرته في الجامعة على عنايته بتكوين طالب العلم: أن يتعلم الأصول، ويعرف الأدلة، ويحرص على العمل بما تعلمه، ثم يبلغ العلم بوضوح وأمانة.

الإفتاء والدعوة وشؤون المسلمين

في سنة ١٣٩٥هـ تولى رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وانتقل إلى الرياض. ثم عُيّن سنة ١٤١٤هـ مفتيًا عامًا للمملكة العربية السعودية ورئيسًا لهيئة كبار العلماء. وبذلك صار يتلقى أسئلة الأفراد والمؤسسات في أبواب كثيرة: العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والأسرة، وما يستجد من الوقائع.

تظهر في فتاواه عنايته بذكر الدليل، وتوضيح الحكم للسائل بلغة يستطيع فهمها. وكان يؤكد توحيد الله، واتباع سنة النبي ﷺ، والرجوع إلى أهل العلم عند الإشكال. كما عُرف باهتمامه بمساعدة المحتاجين وقضاء حوائج الناس. ولم تكن كثرة الأعمال الرسمية سببًا لانقطاعه عن إجابة السائلين أو التواصل مع طلاب العلم.

مؤلفاته وآثاره

تنوعت آثار الشيخ بين كتب قصيرة يقصد بها تعليم عامة المسلمين، ورسائل في قضايا محددة، وفتاوى ومحاضرات جُمعت بعد ذلك في مجموعات كبيرة. ومن كتبه «العقيدة الصحيحة وما يضادها»، و**«الدروس المهمة لعامة الأمة»، و«التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة»**. وتكشف موضوعاتها عن حرصه على جمع العلم الذي يحتاج إليه الناس في حياتهم اليومية، مع بيان أصول الاعتقاد والعبادة.

ويحفظ موقعه العلمي الرسمي كتبًا وفتاوى ودروسًا وتسجيلات كثيرة. ومن خلال هذه المواد يستطيع القارئ أن يرى اتساع نشاطه: درسًا يوجهه للطالب، وجوابًا مختصرًا لسائل، وبحثًا في مسألة تحتاج إلى تفصيل.

وفاته وأثره الباقي

توفي الشيخ ابن باز رحمه الله يوم الخميس ٢٧ محرّم ١٤٢٠هـ، الموافق ١٣ مايو ١٩٩٩م، ودُفن في مكة المكرمة. وبقي أثره في تلاميذه، وفي كتبه وفتاواه وتسجيلاته، وفي عناية كثير من المسلمين بالرجوع إلى ما تركه من علم.

نسأل الله أن يغفر له، وأن يرفع درجته، وأن يجزيه خيرًا على تعليمه ونصحه وما بذله في خدمة المسلمين.

كتبه الشيخ الدكتور سليم أبي إسلام حسان بليدي حفظه الله تعالى

الكلمة الشهرية
دكتوراه الشريعة الإسلامية: معناها ومكانتها العلمية

أقرأ المزيد
القائمة البريدية