الزوجة الصالحة نعمة عظيمة من نعم الله تعالى، وسبب من أسباب سعادة الرجل واستقرار الأسرة وصلاح الأبناء. وليست الزوجة الصالحة هي الجميلة في صورتها فحسب، ولا الغنية في مالها، ولا صاحبة النسب وحده؛ وإنما هي المرأة التي صلح قلبها ودينها وخُلُقها، فعرفت حق ربها، وأدّت حق زوجها، وحفظت بيتها، وربّت أبناءها على الإيمان والفضيلة.
قال رسول الله ﷺ:
«الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».
رواه مسلم.
فالمرأة الصالحة خير ما يستمتع به الرجل في دنياه؛ لأنها تكون له سكنًا وأنسًا، وعونًا على الطاعة، وحافظة لبيته وأسراره وأبنائه.
أول صفات الزوجة الصالحة أن تكون صالحة في علاقتها بالله تعالى؛ لأن من لم تحفظ حق الله قد لا تحفظ حقوق العباد.
فهي امرأة موحدة لله، متمسكة بعقيدتها، محافظة على الصلوات الخمس، مؤدية لما أوجب الله عليها، مبتعدة عن المحرمات، حريصة على تلاوة القرآن والذكر والاستغفار، تخاف الله في السر والعلن، وتراقبه في أقوالها وأفعالها.
وإذا غاب عنها زوجها، لم تجعل غيابه فرصة للتساهل في دينها أو عرضها أو بيتها، بل تستحضر مراقبة الله تعالى، وتعلم أن الله يراها ويسمعها ويعلم سرها ونجواها.
فالعبادة الحقيقية تظهر آثارها في الأخلاق والمعاملة والصبر والحياء وحفظ الحقوق، وليست الصلاح مجرد كلمات أو مظاهر، بل الصلاح طاعة واستقامة وحسن خلق.
من أعظم صفات الزوجة الصالحة أنها تعرف حق زوجها وتطيعه في المعروف، ما لم يأمرها بمعصية الله تعالى؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال الله تعالى:
﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾
[النساء: 34].
ومعنى ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مطيعات لله تعالى، قائمات بما عليهن من حقوق، ومن ذلك طاعة الزوج في المعروف.
فالزوجة الصالحة لا تجعل علاقتها بزوجها علاقة صراع ومنافسة، ولا تحرص على الانتصار لنفسها في كل خلاف، وإنما تدرك أن استقرار الأسرة يحتاج إلى احترام وتفاهم وتنازل عن بعض الأمور المباحة.
وهي لا ترفع صوتها على زوجها، ولا تحتقره، ولا تسخر منه، ولا تجرحه أمام أبنائه أو أهله أو الناس، ولا تستعمل الكلمات القاسية التي تبقى آثارها في القلب بعد انتهاء الخلاف.
وليست طاعة الزوج ذلًا ولا إهانة، بل هي طاعة شرعية في المعروف، تقابلها مسؤولية عظيمة على الزوج في النفقة والرعاية والحماية وحسن المعاشرة والقيام على مصالح الأسرة.
الزوجة الصالحة تحفظ زوجها في نفسها وماله وبيته وأبنائه وأسراره، سواء كان حاضرًا أم غائبًا.
فلا تخونه في عرضه، ولا تتصرف في ماله بما يكره، ولا تُدخل بيته من لا يرضى، ولا تكشف أسراره، ولا تذكر عيوبه ومشكلاته لكل من تجلس معها.
قال الله تعالى:
﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾
[النساء: 34].
ومن حفظ الغيب أن تحفظ أسرار العلاقة الزوجية؛ فإن ما يقع بين الزوجين أمانة، ولا يجوز جعله حديثًا بين الصديقات والأقارب أو نشره في وسائل التواصل.
وكذلك تحفظ أبناءه، وتحسن رعايتهم وتربيتهم، ولا تستعملهم وسيلة للضغط على أبيهم عند وقوع الخلاف.
الزوجة الصالحة حسنة الكلام، لينة الجانب، طيبة المعاملة، تعرف كيف تستقبل زوجها، وتختار الوقت المناسب للكلام معه، وتبتعد عن كثرة الصراخ والجدال.
إذا دخل زوجها بيته استقبلته بما يسرّه، وإذا كان متعبًا راعت تعبه، وإذا أصابه همّ خففت عنه، وإذا احتاج إلى النصيحة نصحته برفق وأدب، وإذا أحسن إليها شكرته ولم تنكر معروفه.
فالكلمة الطيبة تصنع في القلب ما لا تصنعه الأموال، والابتسامة الصادقة قد تزيل تعب يوم كامل، وحسن الاستقبال يزيد المودة ويقوي المحبة بين الزوجين.
وقد سُئل النبي ﷺ عن خير النساء، فقال:
«الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ».
رواه النسائي وأحمد.
والمقصود أنها تحرص على إدخال السرور على زوجها بحسن هيئتها وكلامها ومعاملتها، مع مراعاة الضوابط الشرعية.
من صفات الزوجة الصالحة أنها تراعي حاجة زوجها إلى العفة، ولا تهجر فراشه ولا تمتنع عن حقه من غير عذر شرعي معتبر.
والعلاقة الزوجية ليست أمرًا ثانويًا، بل هي من أهم أسباب العفة والمودة والاستقرار، وإهمالها قد يفتح أبوابًا من الفتنة والمشكلات والنفور بين الزوجين.
وفي المقابل، يجب على الزوج أن يراعي حال زوجته وصحتها وتعبها، وأن يعاملها بالرفق والرحمة، وألا يظلمها أو يؤذيها، فإن العلاقة الزوجية مبناها على المودة والرحمة وحفظ حقوق الطرفين.
الزوجة الصالحة تجعل بيتها مكانًا للسكينة والطمأنينة، فتحرص على نظافته وتنظيمه بحسب استطاعتها، وتقوم بشؤونه بالمعروف، وتتعاون مع زوجها في كل ما يحقق مصلحة الأسرة.
ولا تنظر إلى خدمتها لزوجها وأبنائها على أنها مذلة أو هوان، بل تراها من حسن العشرة والإحسان إلى الأسرة. وما تقوم به المرأة في بيتها بنية صالحة تؤجر عليه عند الله تعالى.
ومع ذلك ينبغي للزوج أن يقدر تعبها، وأن يشكرها، وأن يعينها إذا احتاجت، ولا سيما عند المرض أو الحمل أو كثرة الأولاد؛ فالحياة الزوجية تعاون ورحمة، وليست أوامر مجردة من الشكر والتقدير.
الأم مدرسة عظيمة، وصلاحها من أعظم أسباب صلاح أبنائها. فالزوجة الصالحة تعلّم أبناءها التوحيد والصلاة وقراءة القرآن، وتربيهم على الصدق والأمانة والحياء واحترام الوالدين والكبار.
وتتابع عبادتهم وأخلاقهم وأصدقاءهم ودراستهم، ولا تترك تربيتهم للهواتف والشاشات والشوارع.
كما أنها لا تفسد صورة الأب أمام أبنائه، ولا تحرضهم عليه، ولا تجعلهم طرفًا في الخلافات الزوجية؛ لأن ذلك يزرع في نفوسهم الخوف والعقوق والاضطراب.
بل تحفظ للأب مكانته، وتتعاون معه على التربية، وتناقش أخطاءه بعيدًا عن مسامع الأبناء.
الزوجة الصالحة لا تسرف ولا تبذر، ولا تطالب زوجها بما لا يستطيع، ولا تقارن بيتها ببيوت غيرها.
تعلم أن الأرزاق بيد الله، وأن الناس يختلفون في أحوالهم، فتعيش مع زوجها بالمعروف، وتصبر إذا ضاق رزقه، وتشكره إذا وسّع الله عليه.
وهي تحسن تدبير المال، وتقدم الضروريات على الكماليات، ولا تحمل زوجها الديون من أجل المظاهر والمناسبات ومجاراة الناس.
ولا تتصرف في ماله تصرفًا يضره، بل تحفظه وتعينه على إنفاقه في مصالح الأسرة ووجوه الخير.
لا تخلو الحياة الزوجية من ابتلاء وتعب واختلاف في الطباع. والزوجة الصالحة لا تهدم بيتها عند أول مشكلة، ولا تطلب الطلاق لكل خلاف، ولا تهدد زوجها بالرحيل كلما غضبت.
بل تصبر، وتدعو الله، وتسعى إلى الإصلاح، وتختار وقت الهدوء للحوار، وتستعين بأهل الحكمة والصلاح عند الحاجة.
والصبر لا يعني قبول الظلم أو الأذى المحرم؛ فللمرأة أن تطالب بحقها، وأن تستعين بمن يرفع عنها الظلم، ولكنها لا تجعل الأمور الصغيرة أسبابًا لتخريب الأسرة وتشتيت الأبناء.
الزوجة الصالحة ليست معصومة من الخطأ؛ فقد تغضب أو تقصر أو تتكلم بما لا ينبغي، لكنها إذا ذُكّرت بالله تذكرت، وإذا بان لها الحق رجعت إليه، وإذا أخطأت اعتذرت.
ولا ترى الاعتذار ضعفًا، بل تعتبره شجاعة وفضيلة وطريقًا إلى حفظ المودة.
كما أنها تنصح زوجها بالحكمة والموعظة الحسنة، فلا تتعالى عليه، ولا تفضحه، ولا تهاجمه أمام الناس، وإنما تختار الكلام المناسب في الوقت المناسب.
من أسباب خراب البيوت أن تجعل المرأة كل ما يقع بينها وبين زوجها حديثًا لأهلها وصديقاتها. فربما انتهى الخلاف بين الزوجين، ولكن الكراهية تبقى في قلوب الأهل بسبب ما سمعوه.
والزوجة الحكيمة لا تشكو إلا عند الحاجة، ولا تستشير إلا من عُرف بالدين والعقل والأمانة، ولا تطلب النصيحة ممن يزيد النار اشتعالًا.
تستر بيتها، وتحفظ أسراره، وتحاول معالجة المشكلات داخل الأسرة ما أمكن، فإن احتاج الأمر إلى تدخل، اختارت أهل الحكمة والإصلاح.
الغيرة الطبيعية دليل محبة، لكنها إذا تحولت إلى سوء ظن وتجسس واتهام دائم أفسدت الحياة الزوجية.
فالزوجة الصالحة لا تفتش هاتف زوجها بغير حق، ولا تتهمه من غير دليل، ولا تفسر كل تصرف تفسيرًا سيئًا، بل تبني حياتها على الثقة والوضوح.
وفي المقابل، يجب على الزوج أن يبتعد عن كل ما يثير الريبة، وأن يكون صادقًا واضحًا، وأن يحفظ مشاعر زوجته ولا يتعمد إثارة غيرتها.
الزوجة الصالحة تعين زوجها على الصلاة والذكر وصلة الرحم وطلب العلم والرزق الحلال، وتذكره بالله إذا نسي، وتفرح بطاعته واستقامته.
ولا تعينه على الظلم أو المعصية أو أكل الحرام، ولا تسكت إذا أراد إدخال المال الحرام إلى البيت، بل تنصحه بالحكمة وتذكره بأن الحلال وإن قلّ خير من الحرام وإن كثر.
والزوجان الصالحان يتعاونان على طاعة الله، ويدعو كل واحد منهما للآخر بالصلاح والثبات.
من حسن العشرة أن تهتم الزوجة بنظافتها وثيابها ورائحتها وهيئتها أمام زوجها، وألا يكون تزينها للناس خارج البيت أعظم من تزينها لزوجها.
والتجمل بين الزوجين سبب من أسباب دوام المودة والعفة، كما أن على الزوج أن يهتم بنظافته وهيئته ورائحته لزوجته، ولا يطالبها بما يهمل مثله في نفسه.
المرأة الصالحة تتذكر إحسان زوجها، ولا تنكر سنوات من المعروف بسبب خلاف عابر. فإذا أنفق عليها شكرته، وإذا خدمها قدرت خدمته، وإذا وقف معها في الشدة حفظت فضله.
وكذلك ينبغي للزوج أن يشكر زوجته على قيامها ببيته ورعايتها لأبنائه وصبرها معه، فإن النفوس تحب من يقدر إحسانها.
إن الحديث عن صفات الزوجة الصالحة لا يعني إسقاط حقوقها أو تحميلها مسؤولية كل ما يقع في الأسرة؛ فالزوج مسؤول أمام الله عن زوجته وبيته.
ومن حقوق الزوجة على زوجها:
أن ينفق عليها بالمعروف.
أن يوفر لها السكن المناسب بحسب قدرته.
أن يعاشرها بالمعروف.
أن يحفظ كرامتها ولا يهينها.
أن يعلمها ما تحتاج إليه من أمور دينها أو ييسر لها تعلمه.
أن يعدل بينها وبين غيرها إن كان له أكثر من زوجة.
أن يحفظ أسرارها.
أن يرفق بها ويصبر على بعض ما يقع منها.
أن يؤدي حقوقها الزوجية.
ألا يضربها ظلمًا أو يعتدي عليها.
ألا يستعمل القوامة وسيلة للتكبر والاستبداد.
قال الله تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: 19].
وقال سبحانه:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[البقرة: 228].
وقال النبي ﷺ:
«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».
رواه الترمذي.
فصلاح الأسرة لا يتحقق بمطالبة الزوجة وحدها بأداء الواجبات، بل لا بد أن يقوم الزوج كذلك بحقوقها، وأن يعاملها بالعدل والرحمة والإحسان.
قد يظن بعض الناس أن الزوجة الصالحة لا تغضب ولا تحزن ولا تخطئ، وهذا غير صحيح؛ فهي بشر، يعتريها ما يعتري الإنسان من ضعف وتعب وتقلب في الأحوال.
لكن الفرق أن الزوجة الصالحة لا تصر على الخطأ، ولا تجعل كبرياءها مانعًا من الاعتذار، ولا تستمر في الخصومة والهجر، وإنما تبادر إلى الإصلاح، وتطلب رضا الله قبل رضا نفسها.
وكذلك الزوج الصالح لا يترصد أخطاء زوجته، ولا يطالبها بالكمال، بل ينظر إلى مجموع أخلاقها وصفاتها، ويغفر الزلة، ويقابل الإحسان بالإحسان.
قال النبي ﷺ:
«لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ».
رواه مسلم.
أي: لا يبغضها بغضًا كاملًا؛ فإن وجد فيها خلقًا يكرهه، وجد فيها أخلاقًا وصفات أخرى يحبها.
الزوجة الصالحة هي التي:
تصلح ما بينها وبين الله.
تحافظ على الصلاة والفرائض.
تطيع زوجها في المعروف.
تحفظ نفسها وبيتها ومال زوجها وأسراره.
تحسن معاشرته وتخاطبه بالأدب.
تؤدي حقوقه الزوجية.
ترعى أبناءها وتربيهم على الدين والأخلاق.
تصبر عند الشدة ولا تهدم بيتها لأسباب يسيرة.
تشكر المعروف ولا تنكر الإحسان.
تقبل النصيحة وترجع إلى الحق.
تتزين لزوجها وتحفظ عفته.
تعينه على الطاعة والرزق الحلال.
تعالج الخلاف بالحكمة والهدوء.
تحفظ لسانها من السب والسخرية ورفع الصوت.
لا تطالب زوجها بما لا يطيق.
تحرص على المودة والرحمة واستقرار الأسرة.
فالزوجة الصالحة سكن لزوجها، وأمان لبيتها، ومربية لأبنائها، وعون على طاعة الله تعالى. وبصلاحها وصلاح زوجها تقوم الأسرة المؤمنة التي تنشئ جيلًا صالحًا نافعًا لدينه وأمته.
نسأل الله تعالى أن يصلح نساء المسلمين ورجالهم، وأن يؤلف بين قلوب الأزواج، وأن يرزقهم المودة والرحمة وحسن العشرة، وأن يحفظ بيوت المسلمين من الشقاق والظلم والفساد، ويجعلها بيوت إيمان وطمأنينة واستقامة.
كتبه الشيخ الدكتور أبي إسلام سليم حسان بليدي حفظه الله تعالى