الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
آخر الأخبار

 

مقدمة

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل شريعته قائمة على العدل والرحمة والحكمة والمصلحة، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن علم مقاصد الشريعة من العلوم الجليلة التي تعين على فهم أحكام الإسلام وحِكمه وغاياته، وتكشف عن كمال هذه الشريعة وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان. غير أن الكلام في المقاصد يحتاج إلى علم راسخ بالنصوص الشرعية، وقواعد الاستدلال، ولسان العرب، وأقوال الصحابة وأئمة السلف؛ حتى لا تتحول دعوى المقاصد إلى وسيلة لتعطيل النصوص أو تحريف الأحكام.

تعريف مقاصد الشريعة

مقاصد الشريعة هي الحِكم والغايات والمعاني التي أرادها الله تعالى من تشريع الأحكام، تحقيقًا لعبوديته، وإصلاحًا للعباد في دينهم ودنياهم، وجلبًا للمصالح الحقيقية، ودفعًا للمفاسد عنهم.

فالشريعة لم تأمر بشيء عبثًا، ولم تنه عن شيء دون حكمة، بل أحكامها كلها مبنية على العلم والحكمة والعدل والرحمة.

قال الله تعالى:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
[الملك: 14].

وقال سبحانه:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
[النحل: 90].

فالله سبحانه أعلم بما يصلح عباده، وما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، ولهذا كانت شريعته أكمل الشرائع وأعدلها.

المقصد الأعظم من الشريعة

أعظم مقاصد الشريعة تحقيق توحيد الله وإفراده بالعبادة، وإخراج الناس من عبادة المخلوقين إلى عبادة رب العالمين.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[الذاريات: 56].

وقال سبحانه:

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: 36].

فليست مقاصد الشريعة مقصورة على المصالح الدنيوية، كما يتوهم بعض الناس، بل مقصدها الأول حفظ التوحيد والإيمان، وتحقيق عبودية الله، ثم إصلاح حياة الإنسان في الدنيا والآخرة.

الضروريات الخمس

ذكر أهل العلم أن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات الكبرى التي لا تستقيم حياة الناس بدونها، وهي:

أولًا: حفظ الدين

وهو أعظم الضروريات وأشرفها؛ لأن الدين هو الغاية التي خلق الله الخلق من أجلها. ومن وسائل حفظه: الأمر بالتوحيد، وإقامة الصلاة، وتعليم العلم الشرعي، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتحذير من الشرك والبدع والضلالات.

ثانيًا: حفظ النفس

حرمت الشريعة الاعتداء على النفوس، وأوجبت القصاص والدية، ونهت عن الانتحار، وأمرت بالتداوي، وأباحت للمضطر ما يدفع عنه الهلاك.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾
[النساء: 29].

ثالثًا: حفظ العقل

العقل نعمة عظيمة، وبه يميز الإنسان بين النافع والضار. ولذلك حرمت الشريعة الخمر والمخدرات وكل ما يفسد العقل أو يغيبه.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[المائدة: 90].

رابعًا: حفظ النسل والعِرض

شرع الله الزواج، وحرم الزنا والقذف والاعتداء على الأعراض، وأوجب حفظ الأنساب، وحث على تربية الأبناء ورعايتهم؛ حماية للأسرة والمجتمع من التفكك والفساد.

خامسًا: حفظ المال

أباحت الشريعة البيع والتجارة والكسب الحلال، وحرمت السرقة والغصب والربا والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾
[النساء: 29].

مراتب المقاصد

يقسم العلماء مقاصد الشريعة من حيث قوتها إلى ثلاث مراتب:

1. الضروريات

وهي المصالح التي لا تقوم حياة الناس الدينية والدنيوية إلا بها، وإذا فُقدت اختل نظام الحياة، وانتشر الفساد والضياع.

2. الحاجيات

وهي ما يحتاج إليه الناس لرفع المشقة والحرج عنهم، وإن كان فقدها لا يؤدي إلى انهيار الحياة. ومن أمثلتها رخص السفر والمرض، وجواز بعض المعاملات التي يحتاج إليها الناس.

قال الله تعالى:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾
[البقرة: 185].

3. التحسينيات

وهي ما يتعلق بمكارم الأخلاق، وجمال السلوك، وحسن العادات، والطهارة، والنظافة، والآداب الشرعية.

قال النبي ﷺ:

«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»
رواه مسلم.

أهمية علم المقاصد

لعلم المقاصد فوائد عظيمة، منها:

  • بيان كمال الشريعة وعدلها ورحمتها.

  • مساعدة العالم على فهم النصوص وجمع أدلتها.

  • الترجيح بين المصالح عند تعارضها.

  • التمييز بين المصلحة الحقيقية والمصلحة المتوهمة.

  • فهم أسباب التشريع وحِكم الأحكام.

  • تنزيل الأحكام الشرعية على النوازل المعاصرة.

  • الرد على من يزعم أن الشريعة لا تناسب العصر.

  • حماية الاجتهاد من الفوضى والاضطراب.

فالفقيه لا يكتفي بالنظر إلى ظاهر الواقعة، بل ينظر في النصوص والقواعد، ويعتبر مآلات الأفعال، ويميز بين المصالح والمفاسد، ويقدم أعظم المصلحتين ويدفع أعظم المفسدتين وفق الدليل الشرعي.

المقاصد لا تعارض النصوص

من أهم الضوابط أن المقاصد الصحيحة لا يمكن أن تعارض نصًا صحيحًا صريحًا؛ لأن النصوص والمقاصد كلاهما من شريعة الله، والحق لا يتناقض.

فلا يجوز لأحد أن يقول: إن مصلحة الناس تقتضي إباحة الربا، أو إسقاط الحجاب، أو التساهل في المحرمات، أو تعطيل الحدود، أو المساواة بين الحق والباطل؛ ثم يزعم أن هذا من مقاصد الشريعة.

فكل مصلحة تخالف نصًا شرعيًا ثابتًا ليست مصلحة شرعية، وإن زينها الناس وسموها مصلحة.

قال الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[الأحزاب: 36].

وقال سبحانه:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
[النساء: 65].

ضوابط العمل بمقاصد الشريعة

لا يصح الاستدلال بالمقاصد إلا بضوابط، من أهمها:

  1. ألا تخالف المقاصد نصًا صحيحًا من الكتاب أو السنة.

  2. أن تكون المصلحة حقيقية لا وهمية.

  3. أن تكون عامة أو غالبة، لا مصلحة شخصية ضيقة.

  4. أن تُعرف المقاصد باستقراء النصوص والأحكام، لا بمجرد الرأي والهوى.

  5. أن يتولى الاجتهاد فيها أهل العلم المؤهلون.

  6. أن تراعى مراتب المصالح والمفاسد.

  7. أن تُعتبر مآلات الأقوال والأفعال.

  8. ألا يُتخذ علم المقاصد ذريعة لتغيير الأحكام الثابتة.

الانحراف في استعمال المقاصد

ظهر في هذا العصر من يتوسع في الحديث عن المقاصد، ثم يجعلها حاكمة على النصوص، فيقبل من الأحكام ما وافق عقله وهواه، ويرد ما لم يوافقه بحجة تغير الزمان أو تحقيق المصلحة.

وهذا انحراف خطير؛ لأن المقاصد إنما تُستخرج من النصوص، ولا تُستعمل لإبطالها. ومن فصل المقاصد عن الأدلة الشرعية فتح باب التلاعب بالدين، وجعل الشريعة تابعة للأهواء والمتغيرات.

كما أن التشدد والغلو ومراعاة ظاهر بعض الأحكام دون فقه مقاصدها ومآلاتها قد يؤدي إلى الخطأ والاضطراب. والمنهج الصحيح هو الجمع بين النصوص وفهم معانيها، والوقوف عند حدودها، والاستفادة من مقاصدها وفق فهم السلف وقواعد أهل العلم.

خاتمة

إن علم مقاصد الشريعة علم جليل يكشف عن محاسن الإسلام وكمال أحكامه، ويعين على الفقه الصحيح، ومعرفة مراتب المصالح والمفاسد. ولكنه ليس بابًا مفتوحًا لكل أحد، ولا وسيلة لتقديم العقل والهوى على الوحي.

فالشريعة كلها عدل ورحمة وحكمة ومصلحة، وما خرج من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة الحقيقية إلى المفسدة، فليس من الشريعة وإن أُدخل فيها بالتأويل.

والواجب على المسلم أن يعظم نصوص الكتاب والسنة، وأن يفهم مقاصدها على ضوء منهج الصحابة والتابعين وأئمة الهدى، وأن يعلم أن الخير كله في اتباع الوحي، والشر كله في مخالفته.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والفهم الصحيح، والفقه في الدين، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى