الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
آخر الأخبار

 

الجزائر بلد عزيز، أرض الإسلام والعروبة والأمازيغية الأصيلة، وأرض العلماء والمصلحين والمجاهدين، قدّم شعبها عبر تاريخه تضحيات عظيمة دفاعًا عن دينه وأرضه وسيادته. وقد حفظ الجزائريون لهذه البلاد هويتها الإسلامية، وصانوا لغتهم وقيمهم، ورفضوا الذوبان في مشاريع الاحتلال والاستعمار.

وليست محبة الجزائر مجرد عاطفة تُرفع بها الشعارات، بل هي مسؤولية وأمانة تقتضي المحافظة على أمنها ووحدتها ومؤسساتها ومقدراتها، والعمل على إصلاحها، والدفاع عنها بالحق، والحذر من كل ما يؤدي إلى إضعافها أو تمزيق شعبها.

قال الله تعالى:

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾
[آل عمران: 103].

الجزائر أرض الإسلام والعلم والجهاد

دخل الإسلام الجزائر، فاحتضنه أهلها، وحملوا رايته، وأقاموا المساجد والمدارس والزوايا العلمية، وظهر فيها علماء ودعاة ومصلحون خدموا القرآن والسنة واللغة العربية، وحاربوا الجهل والخرافة والاستعمار.

ومن أعلامها الإمام عبد الحميد بن باديس، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشيخ العربي التبسي، والشيخ مبارك الميلي وغيرهم من علماء الإصلاح، الذين أدركوا أن حماية الوطن تبدأ بحماية عقيدته وهويته وعلمه وأخلاق أبنائه.

وكان شعار جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تعبيرًا عن ثوابت الأمة:

«الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا».

وقد وقف الشعب الجزائري في وجه الاحتلال الفرنسي أكثر من قرن، وقدم ملايين الضحايا، وبذل الرجال والنساء أموالهم وأنفسهم حتى تحررت البلاد واستعادت سيادتها. ونحن نحسب من قُتلوا دفاعًا عن دينهم وأرضهم من الشهداء، والله حسيبهم، ولا نزكي على الله أحدًا.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
[آل عمران: 169].

نعمة الأمن والاستقرار

إن الأمن من أعظم نعم الله على العباد؛ فلا تستقيم حياة الناس، ولا تُقام العبادة، ولا ينتشر العلم، ولا تُحفظ الأموال والأعراض إلا بالأمن.

وقد امتن الله على قريش بنعمة الأمن فقال:

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۝ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾
[قريش: 3-4].

وقال سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام:

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾
[البقرة: 126].

وقد عرف الجزائريون في سنوات الفتنة والإرهاب معنى فقدان الأمن، وذاقوا مرارة سفك الدماء والخوف والاعتداء على العلماء والرجال والنساء والأطفال. ولذلك يجب ألا يسمح الشعب الجزائري بتكرار تلك المأساة تحت أي شعار أو ذريعة.

فالأمن نعمة لا يعرف قدرها إلا من فقدها، والمحافظة عليه مسؤولية مشتركة بين الدولة والشعب والعلماء والمربين والإعلاميين وسائر أفراد المجتمع.

الثناء على الدولة الجزائرية ومؤسساتها

إن من الإنصاف الاعتراف بما تبذله الدولة الجزائرية من جهود للمحافظة على وحدة البلاد وسيادتها وأمن حدودها وخدمة مواطنيها، وما تقوم به مؤسساتها من حماية للاستقرار ومواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب والمخدرات وسائر الأخطار التي تهدد المجتمع.

كما يجب تقدير دور الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني، والقائمين على أجهزة الأمن والحماية المدنية وسائر المؤسسات، ممن يسهرون على حماية الحدود وحفظ الأرواح والممتلكات والدفاع عن استقلال الجزائر ووحدة أراضيها.

والثناء على ما تحقق من خير لا يعني ادعاء الكمال أو العصمة، فكل عمل بشري معرض للنقص والخطأ. لكن الإصلاح يكون بالنصيحة الصادقة، والعدل، والحكمة، والطرق المشروعة، لا بالفوضى والتحريض ونشر الكراهية وإضعاف مؤسسات الدولة.

قال رسول الله ﷺ:

«الدِّينُ النَّصِيحَةُ». قلنا: لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»
رواه مسلم.

ما يُحاك للجزائر من فتن

إن الجزائر بلد واسع، غني بثرواته، عظيم بموقعه وتاريخه، مستقل في قراره، ولذلك ليس مستبعدًا أن تستهدفه جهات مختلفة تسعى إلى إضعافه أو الضغط عليه أو بث النزاع بين أبنائه.

ولا يلزم أن تكون المؤامرات دائمًا جيوشًا ظاهرة؛ فقد تأتي في صورة أخبار كاذبة، وإشاعات، وخطابات عنصرية، وتحريض جهوي، وصراع بين العربية والأمازيغية، أو بين أبناء المناطق المختلفة، أو في صورة نشر المخدرات والانحلال واليأس، أو محاولة ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده.

كما قد تُستغل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأخطاء الإدارية لإثارة الفوضى؛ فيتحول النقد المشروع إلى دعوة للهدم، وتتحول المطالبة بالإصلاح إلى تحريض على الصدام وسفك الدماء.

ولهذا أمر الله بالتثبت من الأخبار فقال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6].

وليس كل خبر يُنشر على مواقع التواصل صحيحًا، ولا كل من تحدث باسم الوطنية ناصحًا للجزائر. فقد تُدار حسابات ومنصات من خارج البلاد لإثارة الغضب، وتضخيم الأخطاء، ونشر الأكاذيب، وضرب وحدة الشعب.

والواجب ألا نتهم جهة بعينها دون دليل، لكننا في الوقت نفسه نتحلى بالوعي واليقظة، ونحذر من كل خطاب يدعو إلى الفتنة والانقسام والعنف.

وحدة الجزائريين حصن البلاد

قوة الجزائر الحقيقية بعد توفيق الله تكمن في وحدة شعبها. فالجزائريون، عربًا وأمازيغ، يجمعهم الإسلام والوطن والتاريخ والمصير الواحد. ولا يجوز السماح لأحد بأن يجعل التنوع الثقافي واللغوي سببًا للفرقة والعداوة.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[الأنفال: 46].

وقال النبي ﷺ:

«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»
متفق عليه.

فالعدو لا يستطيع أن يهزم شعبًا متماسكًا واعيًا، لكنه قد يتسلل إليه من أبواب العصبية والحزبية والجهوية والتعصب للأشخاص. وكل دعوة تزرع العداوة بين أبناء الجزائر، أو تحتقر منطقةً أو فئةً منهم، أو تجعل اختلاف الألسنة والأنساب سببًا للصراع، فهي دعوة تهدد أمن الوطن ومستقبله.

الوطنية الصادقة ليست شعارات

إن الوطنية الصادقة ليست مجرد رفع العلم أو ترديد الأناشيد، وإنما تظهر في الأمانة والإخلاص والإتقان والمحافظة على المال العام واحترام النظام وخدمة الناس.

فالموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص يخدم الجزائر، والمعلم الذي يربي أبناءها على العلم والأخلاق يخدم الجزائر، والطبيب الذي يرحم مرضاه يخدم الجزائر، والتاجر الصادق يخدم الجزائر، والعالم الذي ينصح بالحكمة يخدم الجزائر، والجندي الذي يحرس الحدود يخدم الجزائر.

أما من ينشر المخدرات، أو يأخذ الرشوة، أو يخون الأمانة، أو يثير العصبية والفتنة، فإنه يضر الجزائر ولو أكثر من الحديث عن الوطنية.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: 58].

حماية الشباب من التطرف والانحلال

إن شباب الجزائر هم ثروتها الحقيقية، ولذلك فإن استهدافهم في عقيدتهم وأخلاقهم وعقولهم من أخطر ما يهدد البلاد. فمن الجهات من يريد جرهم إلى الغلو والتكفير والعنف، ومنهم من يريد إغراقهم في المخدرات والشهوات واليأس والهجرة غير الآمنة.

والواجب أن تتعاون الأسرة والمسجد والمدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة على حماية الشباب، وتعليمهم العقيدة الصحيحة، وتوفير العلم والعمل، وغرس الأمل والانتماء في نفوسهم.

كما يجب فتح المجال أمام العلماء والدعاة المعروفين بالعلم والحكمة والاعتدال، حتى يبينوا للناس دينهم، ويحذروهم من التكفير والعنف والغلو، ومن الإلحاد والانحلال والشبهات.

واجب العلماء والإعلاميين

تقع على العلماء مسؤولية عظيمة في جمع الكلمة وإطفاء الفتن و النصح بالعلم والحكمة، من غير مداهنة ولا تحريض.

ويقع على الإعلاميين وأصحاب الصفحات مسؤولية التثبت من الأخبار، وعدم نشر الإشاعات أو المقاطع المبتورة أو الاتهامات التي تثير الفوضى وتسيء إلى الجزائر.

قال رسول الله ﷺ:

«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»
رواه مسلم في مقدمة صحيحه.

فالكلمة قد تجمع شعبًا، وقد تشعل فتنة، والمنشور الكاذب قد يصل إلى آلاف الناس في لحظات، ثم يعجز صاحبه عن إزالة آثاره.

الإصلاح وبناء الجزائر

الجزائر بحاجة إلى جميع أبنائها: إلى العالم بعلمه، والمعلم بتربيته، والطبيب برحمته، والعامل بإتقانه، والتاجر بأمانته، والشاب بطاقته، والمرأة بدورها في الأسرة والمجتمع.

ولا يكفي أن نحب الجزائر بألسنتنا؛ بل علينا أن نبنيها بالعلم والعمل والعدل، وأن نحارب الفساد بالطرق المشروعة، وأن ننصح بالحكمة، وأن نحافظ على مؤسساتها ومقدراتها.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11].

فالإصلاح يبدأ من النفس والأسرة، ثم يمتد إلى المجتمع والدولة. وإذا صلح الفرد، وأدى الأمانة، واتقى الله في عمله، شارك في بناء وطن قوي آمن.

الجزائر أمانة في أعناقنا

إن الجزائر أمانة ورثناها عن الآباء والأجداد، وعلينا أن نسلّمها إلى أبنائنا موحدةً قويةً آمنةً محافظةً على دينها وهويتها وسيادتها.

ويجب أن نقف صفًا واحدًا أمام كل من يريد بها سوءًا، وأن نفرق بين الإصلاح الصادق والتحريض الهدام، وبين الناصح الأمين وصاحب الفتنة، وبين الخبر الصحيح والإشاعة الموجهة.

قال الله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[المائدة: 2].

خاتمة

الجزائر بلد الإسلام والتوحيد، وبلد العلماء والمجاهدين، وبلد المليون ونصف المليون شهيد. وهي وطن عزيز يستحق منا المحبة والوفاء والعمل والتضحية.

فلنحمد الله على نعمة الأمن والاستقلال، ولنتعاون على حماية الجزائر من الفتن والإرهاب والمخدرات والعصبيات والإشاعات والتدخلات الخارجية. ولنقف مع دولتنا ومؤسساتنا في كل ما يحقق الخير ويحفظ سيادة البلاد، مع بذل النصيحة الشرعية الصادقة والسعي إلى الإصلاح بالحكمة والعدل.

نسأل الله أن يحفظ الجزائر رئيسًا وحكومةً وشعبًا وجيشًا، وأن يديم عليها نعمة الأمن والإيمان، وأن يصلح أحوالها وولاة أمورها، وأن يوفقهم لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يرد عنها كيد المتربصين ومكر المفسدين، وأن يجعلها قويةً موحدةً مستقرةً، حافظةً لدينها وهويتها وسيادتها.

تحيا الجزائر حرةً أبيةً، ويحفظها الله من كل سوء وفتنة.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى