الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
ضيف الموقع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كان الشيخ محمد بن صالح بن محمد العثيمين رحمه الله من العلماء الذين ارتبطت سيرتهم بالتدريس اليومي. فقد شرح المتون، وأجاب عن الأسئلة، وناقش الأدلة، وأعاد بيان المسائل حتى صارت دروسه مادة يرجع إليها المبتدئ والمتقدم. وقد جمع في عطائه بين الفقه والتفسير والعقيدة وأصول الفقه والحديث.

مولده ونشأته

وُلد الشيخ في عنيزة بمنطقة القصيم سنة ١٣٤٧هـ، الموافق ١٩٢٩م. بدأ تعلّمه في صغره بالقرآن الكريم والقراءة والكتابة، وحفظ القرآن، ثم أقبل على حلقات العلم الشرعي. وكان لوالده دور في توجيهه إلى طلب العلم. وفي بيئة عنيزة العلمية وجد مشايخ وطلابًا ومجالس درس ساعدته على الانتقال من حفظ المتون إلى فهم معانيها وأدلتها.

شيوخه وبناء ملكته العلمية

كان أبرز شيوخه عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله. لازمه مدة طويلة، ودرس عليه التفسير والحديث والتوحيد والفقه وأصوله والنحو. وتأثر بطريقته في شرح النصوص وتقريب المسائل، مع العناية بالمقاصد والمعاني والدليل. كما أخذ عن عبد الرحمن بن علي بن عودان علم الفرائض، وقرأ على عبد الرزاق عفيفي في بعض علوم العربية.

وخلال دراسته بالرياض اتصل بالشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، فقرأ عليه من صحيح البخاري ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية. وانتفع منه في الحديث، وفي النظر في أقوال الفقهاء ومناقشة أدلتهم. وهكذا اجتمع في تكوينه أثر الملازمة الطويلة للسعدي، وما أخذه عن ابن باز وغيرهما، مع مداومة القراءة والتدريس.

مسيرته في التدريس

اشتغل الشيخ بالتعليم في المعهد العلمي بعنيزة، وواصل دروسه في مسجدها، ثم عمل في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم. وكان مجلسه العلمي مفتوحًا على مستويات مختلفة؛ يحضر الطالب الذي يبدأ بدراسة متن صغير، ويحضر من يريد مناقشة مسألة فقهية ذات أقوال وأدلة متعددة. كما ألقى دروسًا في مواسم يجتمع فيها طلاب من مناطق وبلدان شتى.

ومن معالم تعليمه التدرّج: يبدأ بتحديد المسألة وشرح ألفاظها، ثم يذكر دليلها، ويبيّن وجه الاستدلال، ويناقش الاعتراضات عند الحاجة. وفي المسائل التي اختلف فيها العلماء كان يشرح الأقوال وعللها قبل بيان ما يرجحه. ولا يعني ذلك أن كل قارئ سيوافقه في كل ترجيح؛ بل إن قيمة دروسه تظهر كذلك في تدريب الطالب على فهم السؤال والرجوع إلى النصوص وطريقة الاستدلال.

عنايته بالفتوى والتواصل مع الناس

لم تنحصر دروس الشيخ في قاعة الدراسة أو المسجد. فقد أجاب عن أسئلة الناس في برامج إذاعية ولقاءات عامة ومجالس متكررة. وكان يحرص في الجواب على معرفة صورة السؤال، ثم على بيان الحكم وما يتصل به من شروط أو استثناءات. وتظهر هذه الطريقة في مجموعات فتاواه المسجلة والمكتوبة، التي تناولت العقيدة والعبادات والمعاملات وشؤون الأسرة.

وانتشار تسجيلاته منح من لم يدرك مجلسه فرصة الاستماع إلى دروسه كما ألقيت: بصوته، وترتيب أفكاره، وطريقته في محاورة الطلاب. وقد حفظت المؤسسة المعنية بتراثه آلاف الساعات الصوتية، إلى جانب الكتب والرسائل والخطب.

كتبه وشروحه

ترك الشيخ مؤلفات وشروحًا في أبواب عديدة. ومن أشهرها «الشرح الممتع على زاد المستقنع»، وهو شرح فقهي يعرض المسائل مع أدلتها وتعليلاتها وترجيحاته. وله في أصول الفقه «الأصول من علم الأصول» وشرحه، فضلًا عن شروح في العقيدة والحديث والتفسير واللغة العربية، ورسائل موجهة إلى طلاب العلم وعامة المسلمين. وقد نُشرت أيضًا لقاءاته وفتاواه بعد جمعها وتحريرها.

ونال سنة ١٩٩٤م جائزة الملك فيصل العالمية في خدمة الإسلام. وكانت هذه الجائزة تقديرًا لعطائه، لكن أثره الأكبر بقي في طالب فهم مسألة بعد إشكالها، أو تعلّم أن يسأل عن الدليل ووجه الاستدلال، أو وجد في دروسه مدخلًا منظمًا لدراسة الفقه والعقيدة.

وفاته

توفي الشيخ رحمه الله في جدة يوم الأربعاء ١٥ شوال ١٤٢١هـ، وصُلّي عليه في المسجد الحرام، ودُفن في مكة المكرمة. واستمرت بعد وفاته العناية بجمع آثاره ونشرها وتوثيقها، ليبقى علمه متاحًا لمن لم يدرك زمنه.

نسأل الله أن يغفر له، ويرفع درجته، ويجزيه خيرًا عما بذل في تعليم العلم وتقريب فهمه للناس.

كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم حسان بليدي

الكلمة الشهرية
دكتوراه الشريعة الإسلامية: معناها ومكانتها العلمية

أقرأ المزيد
القائمة البريدية