الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
تفسير القرآن العظيم

هذه الآية من أعظم الآيات الدالة على وجوب طاعة رسول الله ﷺ، واتباع سنته، وقبول أوامره وأحكامه، واجتناب ما نهى عنه. وهي أصل محكم في بيان حجية السنة النبوية، وأنها وحي من الله تعالى يجب العمل بها كما يجب العمل بالقرآن الكريم.

السياق العام للآية

قال الله تعالى:

﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

الحشر: 7.

جاءت الآية في سياق بيان حكم الفيء وكيفية توزيعه، والفيء هو ما حصل للمسلمين من أموال أعدائهم من غير قتال. فأمر الله المسلمين أن يقبلوا ما أعطاهم الرسول ﷺ من هذا المال، وأن ينتهوا عما منعهم منه.

ولكن حكم الآية لا يقتصر على تقسيم الفيء؛ لأن اللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولهذا استدل بها الصحابة وأئمة الإسلام على وجوب قبول كل ما جاء به الرسول ﷺ من العقائد والأحكام والأوامر والنواهي.

قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

أي: ما أعطاكم الرسول ﷺ من مال الفيء فاقبلوه، وما جاءكم به من الدين والهدى والأحكام فتمسكوا به واعملوا بمقتضاه.

وكلمة ﴿مَا﴾ من ألفاظ العموم، فتشمل كل ما جاء به الرسول ﷺ من:

- العقيدة الصحيحة.

- الأحكام الشرعية.

- الأوامر والواجبات.

- السنن والآداب.

- الحلال والحرام.

- الأخبار الصادقة.

- تفسير القرآن وبيان معانيه.

- أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق.

فقوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾ أمر، والأصل في الأمر الوجوب ما لم يأت دليل يصرفه إلى الاستحباب. فإذا ثبت أمر النبي ﷺ وجب قبوله والانقياد له بحسب دلالة النص.

والأخذ بما جاء به الرسول ﷺ لا يكون بمجرد معرفة الحديث أو حفظه، وإنما يكون بتصديقه، وقبوله، والعمل به، والتحاكم إليه، وتقديمه على الآراء والأهواء والعادات.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

النساء: 59.

وقال سبحانه:

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾

النساء: 80.

فطاعة النبي ﷺ طاعة لله؛ لأنه لا يشرع من عند نفسه، وإنما يبلغ عن ربه سبحانه.

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

أي: كل ما نهاكم الرسول ﷺ عنه فاتركوه وابتعدوا عنه، ولا تعارضوا نهيه برأي أو عادة أو شهوة.

وقوله: ﴿فَانْتَهُوا﴾ أمر بالكف المباشر عن المنهي عنه، من غير تردد أو تأخير.

قال النبي ﷺ:

مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.

متفق عليه.

ففرّق النبي ﷺ بين الأمر والنهي؛ لأن المأمور به يُفعل بحسب الاستطاعة، أما المنهي عنه فالأصل وجوب تركه كله؛ لأن الترك مستطاع في الغالب.

وتشمل نواهي الرسول ﷺ كل ما ثبت تحريمه في سنته، ولو لم يرد ذكره مفصلًا في القرآن؛ لأن الله أمر باتباع الرسول ﷺ، وفوّض إليه بيان الأحكام.

قال تعالى:

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾

النحل: 44.

الآية دليل على حجية السنة

دلَّت الآية دلالة واضحة على أن السنة النبوية حجة يجب اتباعها. فالقرآن لم يقل: خذوا ما وافق أهواءكم من كلام الرسول، وإنما قال:

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾.

فكل حديث ثبت عن النبي ﷺ ثبوتًا صحيحًا، ودل على حكم شرعي دلالة واضحة، وجب قبوله والعمل به، سواء وجدنا حكمه مفصلًا في القرآن أم بيّنته السنة استقلالًا.

وقد جاءت السنة بالنسبة إلى القرآن على وجوه:

1. سنة تؤكد ما جاء في القرآن

كالحديث عن وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الشرك والزنا والربا والظلم.

2. سنة تفسر مجمل القرآن

فالقرآن أمر بالصلاة، ولكن السنة بيّنت عدد الصلوات، وأوقاتها، وعدد ركعاتها، وأركانها ومبطلاتها.

وأمر القرآن بالزكاة، وبيّنت السنة أنصبتها ومقاديرها والأموال التي تجب فيها.

وأمر القرآن بالحج، وبيّن النبي ﷺ مناسكه، وقال:

لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ.

رواه مسلم.

3   سنة تخصص العام وتقيد المطلق

فتأتي الآية بحكم عام، ثم تبين السنة أن بعض أفراده غير داخل فيه، أو تأتي الآية مطلقة فتقيدها السنة بوصف أو شرط.

4. سنة تأتي بأحكام لم يرد تفصيلها في القرآن

مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، وغير ذلك من الأحكام الثابتة بالأحاديث الصحيحة.

وكل ذلك داخل في قوله تعالى:

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾.

ردٌّ على منكري السنة

هذه الآية من أقوى الأدلة على بطلان قول من يزعم الاكتفاء بالقرآن ورفض السنة النبوية.

فمن يقول: «نأخذ القرآن وحده ولا نأخذ السنة»، فقد خالف القرآن نفسه؛ لأن القرآن أمر بطاعة الرسول ﷺ واتباعه والتحاكم إليه.

قال تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

النساء: 65.

وقال سبحانه:

﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

النور: 63.

وقال تعالى:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾

النساء: 115

ولا يمكن إقامة الصلاة أو إخراج الزكاة أو أداء الحج على الوجه الصحيح بالقرآن وحده دون الرجوع إلى بيان النبي ﷺ.

فمن رد السنة الصحيحة فقد رد بيان القرآن، وخالف أمر الله بطاعة رسوله ﷺ.

فهم الصحابة للآية

فهم الصحابة رضي الله عنهم أن الآية عامة في كل ما أمر به النبي ﷺ أو نهى عنه.

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال:

«لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ».

فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، فأتته وقالت: بلغني أنك لعنت كذا وكذا.

فقال رضي الله عنه: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ، وهو في كتاب الله؟

فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته.

فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، ثم تلا:

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.

فعبد الله بن مسعود رضي الله عنه استدل بالآية على أن ما ثبت في السنة داخل في كتاب الله من جهة أن القرآن أمر باتباع الرسول ﷺ.

طاعة الرسول بعد وفاته

طاعة النبي ﷺ لم تنته بوفاته؛ لأن سنته محفوظة، وأمره باق إلى يوم القيامة.

ففي حياته كانت طاعته بالرجوع إليه وسؤاله، وبعد وفاته تكون طاعته بالرجوع إلى سنته الصحيحة.

قال الإمام الشافعي رحمه الله بمعناه: إن كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، وإن الله فرض طاعته على عباده.

ولا يجوز لأحد أن يقول: هذا حديث قيل قبل قرون فلا يلزمنا اليوم؛ لأن رسالة النبي ﷺ عامة للناس إلى قيام الساعة.

قال تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾

الأعراف: 158.

تقديم السنة على الآراء والأهواء

من مقتضى الآية أن يقدم المسلم سنة النبي ﷺ على رأيه وعادته وقول أي إنسان.

فلا يجوز أن يُعارض الحديث الصحيح بقول شيخ أو إمام أو حزب أو جماعة أو عادة اجتماعية.

والعلماء الربانيون أنفسهم كانوا يوصون أتباعهم بترك أقوالهم إذا خالفت الحديث الصحيح؛ لأن العصمة للرسول ﷺ، وليس لأحد بعده.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

الحجرات: 1

فالواجب احترام العلماء والاستفادة من علمهم، لكن لا يُقدَّم قول أحد منهم على الدليل الصحيح.

قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

بعد الأمر باتباع الرسول ﷺ واجتناب نهيه، أمر الله بالتقوى؛ لأن حقيقة التقوى هي امتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب ما نهيا عنه.

وتقوى الله تقتضي أن يتأكد المسلم من صحة الحديث قبل أن ينسبه إلى النبي ﷺ؛ فلا يجوز نشر الأحاديث المكذوبة والضعيفة من غير بيان.

قال النبي ﷺ:

مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.

متفق عليه.

فليس كل ما يُنشر في الكتب أو مواقع التواصل حديثًا صحيحًا، بل لا بد من الرجوع إلى أهل العلم ومصادر الحديث المعتمدة.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

ختم الله الآية بالوعيد الشديد؛ لبيان خطورة مخالفة الرسول ﷺ، وأن الأمر باتباعه ليس على سبيل الاختيار.

فمن بلغه حكم الرسول ﷺ وثبت عنده، ثم رده استكبارًا أو استهزاءً أو اتباعًا للهوى، فقد عرّض نفسه لعقاب الله.

أما من خالف بسبب الجهل أو الخطأ أو التأويل، فإن أمره يختلف بحسب حاله وقيام الحجة عليه، لكن الواجب عليه إذا تبين له الحق أن يرجع إليه وألا يصر على مخالفته.

فوائد مستنبطة من الآية

- وجوب طاعة رسول الله ﷺ.

- حجية السنة النبوية الصحيحة.

- أن طاعة الرسول من طاعة الله.

- وجوب قبول أوامر النبي ﷺ واجتناب نواهيه.

- أن السنة تفسر القرآن وتبين مجمله.

- بطلان منهج منكري السنة والقرآنيين.

- أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

- وجوب تقديم الحديث الصحيح على الآراء والأهواء.

- تحريم معارضة السنة بالعادات أو أقوال الرجال.

- أن طاعة الرسول باقية بعد وفاته باتباع سنته.

- وجوب التأكد من صحة الحديث قبل نشره.

- أن الإيمان يقتضي التسليم لأحكام الرسول ﷺ.

- خطورة مخالفة أمر النبي ﷺ بعد ظهور الدليل.

- وجوب الرجوع إلى العلماء لفهم النصوص والجمع بينها.

- أن الشريعة مبنية على الكتاب والسنة معًا.

الخلاصة

معنى الآية: كل ما جاءكم به الرسول ﷺ من الهدى والأحكام والأوامر فاقبلوه وتمسكوا به واعملوا بمقتضاه، وكل ما نهاكم عنه فاتركوه واجتنبوه، وخافوا الله في مخالفة رسوله؛ فإن الله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره.

فالطريق المستقيم لا يقوم على القرآن وحده بمعزل عن السنة، ولا على السنة بمعزل عن القرآن، وإنما يقوم على الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان.

نسأل الله أن يرزقنا اتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ، وأن يجعلنا من المستمسكين بهديه، وأن يعيذنا من البدع والأهواء، وأن يحيينا على السنة ويتوفانا عليها.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي

حفظه الله تعالى

الكلمة الشهرية
دكتوراه الشريعة الإسلامية: معناها ومكانتها العلمية

أقرأ المزيد
القائمة البريدية