أمر الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يعلن للناس منهجه ودعوته، وألا يكتم شيئًا مما أوحاه الله إليه.
وفي ذلك دليل على أن دين الإسلام قائم على الوضوح والبيان، وليس فيه أسرار دينية تختص بطائفة دون أخرى، كما تفعل بعض الفرق المنحرفة التي تجعل لدينها ظاهرًا للعامة وباطنًا لخاصتها.
فالرسول ﷺ مأمور بالبلاغ المبين، قال تعالى:
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾
[النور: 54].
أي: هذه طريقي ومنهجي الذي أسير عليه وأدعو إليه، وهو توحيد الله، وإخلاص العبادة له، واتباع الوحي، والتمسك بالحق.
فالسبيل هنا مفرد؛ لأن الحق واحد، وطريق الله واحد، أما طرق الضلال فكثيرة ومتفرقة.
قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[الأنعام: 153].
فسبيل الرسول ﷺ ليس قائمًا على الآراء المجردة، ولا على الأهواء، ولا على التعصب للأشخاص والجماعات، وإنما يقوم على كتاب الله والسنة الصحيحة.
قال الإمام الطبري رحمه الله في معنى الآية: هذه طريقتي ومنهاجي الذي أنا عليه، وهو الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له.
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: إن الله أمر رسوله ﷺ أن يخبر الناس بأن هذه سبيله، أي طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
أي: أدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته وطاعته، وإلى الإيمان بأسمائه وصفاته، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، واتباع رسوله ﷺ.
والداعية الصادق يدعو إلى الله، لا إلى نفسه، ولا إلى جماعته، ولا إلى حزبه، ولا إلى تعظيم شخصه، ولا إلى جمع المال والأتباع.
فمن جعل غاية دعوته الشهرة أو المال أو كثرة المتابعين أو الانتصار لجماعته، فقد خالف حقيقة قوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ بقدر ما دخل في قصده من حظوظ النفس.
والدعوة إلى الله تشمل:
وأصل دعوة جميع الرسل هو التوحيد، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: 36].
البصيرة هي العلم الواضح واليقين والحجة والبرهان. والمعنى: أدعو إلى الله على علم بما أدعو إليه، ومعرفة بأحكام الشرع، ويقين بصحة ما جاء به الوحي.
وهذه الكلمة أصل عظيم في باب الدعوة؛ فلا يجوز للجاهل أن يتصدر لتعليم الناس أو يفتيهم أو يتكلم في العقيدة والفقه والحلال والحرام بغير علم.
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].
والبصيرة في الدعوة تتضمن ثلاثة أمور:
فقد يكون الأمر الذي يدعو إليه الإنسان صحيحًا، لكنه يفسده بالجهل وسوء الأسلوب وعدم مراعاة المصالح الشرعية.
والدعوة على بصيرة ليست صراخًا ولا سبابًا ولا تشهيرًا بالناس، كما أنها ليست مداهنةً ولا سكوتًا عن الباطل. بل هي بيان للحق بالعلم والحكمة والصبر.
قال تعالى:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: 125].
والحكمة ليست ترك الحق، وإنما وضع الأمور في مواضعها، واختيار الأسلوب والوقت المناسبين لبيانه.
أي: أنا أدعو إلى الله على بصيرة، وكذلك من اتبعني حقًّا يدعو إلى الله على علم وبصيرة.
فالآية تدل على أن من صفات أتباع الرسول ﷺ: تعلم العلم، والعمل به، والدعوة إليه.
أما من يدعي اتباع النبي ﷺ، ثم يدعو إلى البدع والخرافات والتعصب الحزبي، أو يتكلم في الدين بغير علم، فليس متبعًا له في هذا الباب؛ لأن الاتباع الحقيقي موافقة الرسول ﷺ في العقيدة والعبادة والدعوة والمنهج والأخلاق.
وقد قال بعض أهل العلم: لا يكون الرجل من أتباع الرسول ﷺ على الحقيقة والكمال حتى يدعو إلى ما دعا إليه الرسول ﷺ على علم وبصيرة.
ولا تعني الآية أن كل مسلم يجب أن يتصدر للفتوى والتدريس؛ وإنما يدعو كل إنسان بحسب علمه وقدرته، ولا يتجاوز ما يعلم.
قال النبي ﷺ:
«بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»
رواه البخاري.
فمن علم حكمًا بدليله وسمعه من العلماء الثقات، جاز له أن يبلغه بأمانة، أما المسائل الكبرى والنوازل والفتاوى، فترد إلى العلماء الراسخين.
قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43].
أي: أنزّه الله تعالى وأقدسه عن كل نقص وعيب، وعن الشريك والولد والصاحبة، وعن مشابهة المخلوقين.
والتسبيح يتضمن إثبات كمال الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله.
ومن ذلك تنزيه الله عما يقوله أهل الشرك والضلال، قال تعالى:
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
[الصافات: 159].
وأهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
فلا يشبهون صفات الله بصفات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، بل يقولون كما قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: 11].
أي: أنا بريء من الشرك كله، صغيره وكبيره، ظاهره وباطنه، وبريء من عبادة غير الله ومن مناهج المشركين.
وهذه الجملة تؤكد أن أساس دعوة النبي ﷺ هو التوحيد والبراءة من الشرك. فلا يكفي أن يعبد الإنسان الله حتى يترك عبادة ما سواه؛ لأن التوحيد يقوم على النفي والإثبات:
وهذا هو معنى «لا إله إلا الله»: لا معبود بحق إلا الله.
ومن الشرك دعاء الأموات، والاستغاثة بهم، والنذر والذبح لهم، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منهم، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله.
قال تعالى:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾
[الجن: 18].
جمعت هذه الآية أصول الدعوة الصحيحة:
فكل دعوة لا تقوم على التوحيد والسنة والعلم والإخلاص واتباع الرسول ﷺ، ففيها من الانحراف بقدر ما فقدت من هذه الأصول.
معنى الآية: قل يا محمد للناس: هذه طريقتي الواضحة؛ أدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، على علم ويقين وحجة، أنا وكل من اتبعني حقًّا. وأنزّه الله عن كل نقص وشريك، وأنا بريء من الشرك والمشركين.
فالآية ميزان للدعاة وطلاب العلم: إخلاص لله، واتباع للرسول ﷺ، وعلم وبصيرة، ودعوة إلى التوحيد، وبراءة من الشرك والبدع والضلالات.
نسأل الله أن يجعلنا من أتباع نبيه ﷺ حقًّا، وأن يرزقنا العلم النافع والبصيرة في الدين، وأن يوفقنا للدعوة إليه بالحكمة والإخلاص، وأن يثبتنا على التوحيد والسنة حتى نلقاه.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى