فإن الشريعة الإسلامية أمرت بأداء الحقوق، وحرّمت أكل أموال الناس بالباطل، وأمرت كذلك بالرحمة والعدل، ومراعاة حال من ضاقت به السبل وعجز عن الوفاء بدينه. ومن الأحكام العظيمة التي تجمع بين حفظ الحقوق والرفق بالعباد: وجوب إنظار المدين المعسر حتى يتيسر له السداد.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].
فالمعسر هو من لا يجد ما يؤدي به دينه بعد حاجاته الأساسية وحاجات من تلزمه نفقتهم بالمعروف. وإنظاره يعني إمهاله وتأخير مطالبته بالأداء حتى يتمكن منه. وقد أمر الله بذلك، فليس إنظار المعسر مجرد تفضّل يفعله الدائن إن شاء، بل هو واجب عند ثبوت الإعسار، أما إسقاط الدين كله أو بعضه فصدقة مستحبة وإحسان عظيم.
العجز عن السداد ليس مماطلة
يجب التفريق بين المدين العاجز والمدين القادر الذي يؤخر الوفاء بغير عذر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَطْلُ الغنيِّ ظلمٌ»، رواه البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فالوعيد يتعلق بمن يستطيع الأداء ثم يماطل، أما من عجز حقيقةً فلا يُجعل بمنزلته، ولا يُتهم بالخيانة لمجرد تأخره. وقد يكون المدين صادقًا في إرادة الوفاء، لكنه أصيب بمرض، أو فقد عمله، أو تعثرت تجارته، فأصبح لا يجد ما يسدد به.
وهذا الحكم يشمل الديون المستحقة، ومنها أجور العمال إذا ثبت عجز من وجبت عليه عن أدائها؛ مع بقاء هذه الأجور حقوقًا ثابتة لا تسقط بالإعسار. ولا يجوز اتخاذ دعوى العجز ذريعة لتأخير الأجور مع القدرة على دفعها.
فضل إنظار المعسر والتخفيف عنه
عن أبي اليسر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أنظرَ مُعسرًا أو وضعَ عنه، أظلَّه اللهُ في ظلِّه»، رواه مسلم (3006). ومعنى «وضع عنه»: أسقط عنه الدين أو بعضه. وهذا الحديث الصحيح يدل على عظيم ثواب من يرحم المدين المعسر ويخفف عنه.
فتأمل هذا الجزاء: يرحم المسلم أخاه في ضيق الدنيا، ويرجو بذلك رحمة الله يوم القيامة. وقد يكون المال الذي تتنازل عن بعضه سببًا في تفريج كربة أسرة، وإزالة همٍّ عن أب، وإدخال الطمأنينة على أطفال يخشون تبعات الدين.
لا تجمع على المعسر ضيق الفقر وقسوة المعاملة
من ثبت إعساره فلا يجوز إهانته أو التشهير به أو التضييق عليه لحمله على أداء ما لا يستطيع. وليس مجرد عجزه ظلمًا يبيح الدعاء عليه؛ فقد يكون أشد حرصًا على الوفاء من حرص الدائن على المطالبة، ولكنه لا يجد السبيل.
والأولى أن يقال له: أعانك الله، ويسّر أمرك، ورزقك ما تقضي به دينك. وليس معنى الرفق به ضياع الحق؛ فللدائن أن يوثّق دينه ويحفظه بالوسائل المشروعة، مع إمهال المعسر حتى تتحقق قدرته على الأداء.
وعلى المدين أن يصدق ويجتهد في الوفاء
كما أن على الدائن إنظار المعسر، فعلى المدين الصدق في بيان حاله، وألا يخفي قدرته أو يتوسع في الكماليات وحقوق الناس معلقة بذمته. فإذا تيسر له المال وجب عليه الوفاء، فإن الإنظار لا يعني إسقاط الدين، وإنما تأجيل أدائه إلى وقت القدرة.
وهكذا يجتمع العدل والرحمة: القادر يؤدي الحقوق، والمعسر يُمهل، ومن عفا وأحسن رجَا ثواب الله. نسأل الله أن يقضي ديون المدينين، ويفرّج كرب المعسرين، ويجعلنا من أهل الرحمة والإحسان.
كتبه فضيلة الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي، حفظه الله تعالى.