الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
حين تضيع مساجد المسلمين بسبب تقصير أهلها

المسجد بيت الله، ومكان الصلاة والذكر وتعليم القرآن، ومنارة تهدي الناس إلى الخير والفضيلة. وليس المسجد جدرانًا تُقام فحسب، بل هو قلب المجتمع المسلم، فيه يتعلم الصغير، ويُوعظ الكبير، ويجتمع المسلمون على الطاعة، وتُحفظ عقيدتهم وهويتهم وأخلاق أبنائهم.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾
[التوبة: 18].

والمقصود بعمارة المساجد ليس بناءها فقط، بل يدخل فيه المحافظة عليها، وصيانتها، وتسديد نفقاتها، والقيام على مصالحها، وإحياء الصلاة والعلم والذكر فيها.

ومن المؤلم أن نرى بعض مساجد المسلمين تعاني الديون، وتعجز عن دفع الإيجار وفواتير الماء والكهرباء والتأمين ورواتب العاملين، وقد يصل الأمر ببعضها إلى الإغلاق أو تسليم مقرها إلى صاحبه؛ لا لعدم وجود المسلمين، ولكن بسبب ضعف إحساس كثير منهم بالمسؤولية وقلة اهتمامهم بالصدقة على مساجدهم.

يدخل المسلم المسجد فيصلي في مكان نظيف، وينتفع بالتدفئة والإنارة والماء، ويُدخل أبناءه لتعلم القرآن واللغة العربية، ويحضر الدروس والمواعظ، ثم يخرج دون أن يسأل نفسه: من يدفع نفقات هذا المسجد؟ ومن يتحمل إيجاره وديونه ومصاريفه؟

لا يجوز أن نظن أن المسجد يقوم بنفسه، أو أن مسؤولية نفقاته تقع على الإمام والإدارة وحدهما. المسجد مسجد المسلمين جميعًا، والمحافظة عليه مسؤولية مشتركة، كلٌّ بحسب استطاعته.

إن بعض الناس ينفقون أموالًا كثيرة في الكماليات والمناسبات والمطاعم والأسفار، فإذا دُعوا إلى الصدقة لمسجدهم اعتذروا بالقلة والحاجة. وليس المطلوب أن يدفع الإنسان ما لا يستطيع، ولكن المطلوب أن يساهم بما تيسر، وأن تكون له صدقة منتظمة، ولو كانت قليلة؛ فإن القليل مع الاستمرار والإخلاص يجتمع فيصير كثيرًا.

قال رسول الله ﷺ:

«مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ»
متفق عليه.

والمساهمة في شراء المسجد أو دفع إيجاره وصيانته وتجهيزه من أعظم صور الإعانة على عمارته. وقد تكون عشرة يوروهات يخرجها المسلم بإخلاص سببًا في بقاء باب المسجد مفتوحًا، واستمرار الصلاة وتعليم القرآن فيه.

فكيف يرضى المسلم أن يجد المال لكل شيء، ثم لا يجعل لبيت الله نصيبًا من ماله؟ وكيف نطالب ببقاء المساجد وخدمة أبنائنا، ونحن لا نتحمل شيئًا من نفقاتها؟ وكيف نحزن بعد ضياع المسجد وإغلاقه، وقد بخلنا عليه حين احتاج إلينا؟

إن ضياع المسجد ليس خسارة مبنى فقط، بل خسارة منبر ودعوة وتعليم وأذان وجماعة، وخطر على الأجيال القادمة. فإذا أُغلق المسجد، ضاع مكان كان يُذكر فيه اسم الله، وحُرم الأطفال من تعلم القرآن، وافتقد الناس موضع اجتماعهم وصلاتهم.

فلنراجع أنفسنا قبل فوات الأوان، وليجعل كل مسلم لمسجده نصيبًا ثابتًا من صدقته، أسبوعيًا أو شهريًا، بحسب استطاعته. ولا يحتقرن أحد صدقته؛ فقد قال النبي ﷺ:

«اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»
متفق عليه.

يا أهل الإسلام، لا تتركوا مساجدكم تضيع بسبب التقصير والبخل، ولا تنتظروا حتى تُغلق أبوابها ثم تندموا. ساهموا في إعمارها والمحافظة عليها، وحثوا أبناءكم وأهليكم وأصدقاءكم على دعمها، وليكن عطاؤكم خالصًا لله تعالى.

قال سبحانه:

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾
[البقرة: 272].

المسجد أمانة، والمحافظة عليه عبادة، والصدقة عليه ذخيرة يجدها العبد عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون.

اللهم عمِّر مساجد المسلمين بالإيمان والطاعة، واحفظها من الضياع والإغلاق، وارزق المسلمين سخاء النفوس وبذل الأموال في وجوه الخير، وتقبل من المتصدقين صدقاتهم، واخلف عليهم خيرًا، واجعل ما يقدمونه في موازين حسناتهم.