الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
ظلم الزوجة لزوجها: صورُه وعاقبتُه وسبيلُ التوبة منه

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الزواج أمانة وميثاق غليظ، تُحفظ فيه الحقوق، وتُصان الكرامة، وتقوم فيه العشرة على المودة والرحمة. ومن أعظم ما يفسد الحياة الزوجية أن يتحول البيت إلى موضع للإهانة والعدوان، وأن يستضعف أحد الزوجين الآخر، فيؤذيه وهو مطمئن إلى صبره أو خوفه على أبنائه.

وظلم الزوجة لزوجها محرّم، كما أن ظلم كل إنسان لغيره محرّم، ولا تُبيحه الخصومة ولا الغضب ولا تدخل الأهل. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، رواه مسلم (٢٥٧٨). وهذا التحذير يشمل الظلم داخل البيوت كما يشمل الظلم خارجها. 

السب والإهانة والاعتداء

من صور الظلم أن تسب المرأة زوجها، أو تحقّره، أو تسخر من شكله أو دخله أو عمله، أو تُهينه أمام أبنائه وأهله. وقد تجرحه بكلمات تتكرر كل يوم، ثم تستصغر أثرها وتقول: لم أفعل شيئًا!

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ»، متفق عليه، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

فكيف إذا كان المسبوب زوجًا له حق العشرة والإحسان؟ وكيف إذا انضم إلى اللسان ضربٌ أو تهديدٌ أو تكسيرٌ للممتلكات؟ الاعتداء ظلم، ولا يصبح مباحًا لكون المعتدي امرأة أو لكون الزوج قادرًا على الرد. وليس امتناعه عن مقابلتها بالعنف ضعفًا يُستغل، بل الواجب أن يُقابل ضبطه لنفسه بترك الأذى وإصلاح الحال.

جحود المعروف ومحو سنوات الإحسان

قد يبذل الزوج ما يستطيع من نفقة ورعاية، ثم يقع منه تقصير، فتنسى زوجته إحسانه كله وتقول: لم أرَ منك خيرًا قط! وهذا من كفران العشير الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيان ذلك: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ»، رواه البخاري (٢٩). والمقصود جحود معروف الزوج، وليس الكفر المخرج من الإسلام.

وشكر الإحسان لا يمنع المطالبة بحق ضائع أو الاعتراض على خطأ، لكنه يمنع الظلم في التقييم؛ فتذكر المرأة المعروف، وتطالب بإصلاح التقصير دون محو لكل خير سبق.

الإضرار بالحقوق الزوجية

ومن الظلم اتخاذ الحقوق الزوجية وسيلة للعقاب أو الضغط للحصول على مطالب لا تجب. وقد جاء الوعيد في امتناع الزوجة عن فراش زوجها دون عذر؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ»، رواه البخاري (٣٢٣٧)، ومسلم (١٤٣٦). 

وهذا في الامتناع بغير عذر معتبر؛ أما المرض، والألم، وخشية الضرر، وما يمنع الجماع شرعًا، فلا يجوز تجاهله. ولا يُستعمل الحديث لإباحة الإكراه أو الاعتداء؛ بل تُعالج أسباب النفور والخلاف بالمعروف، وتُطلب المساعدة عند الحاجة.

البهتان وإفشاء الأسرار

ومن أشد صور الظلم أن تنسب المرأة إلى زوجها ما لم يفعله، أو تحرّف الوقائع أمام أهلها أو غيرهم، لتظهر دائمًا بمظهر المظلومة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].

وكذلك يحرم نشر الأسرار الخاصة للتشهير أو الانتقام. أما بيان المظلمة لمن يستطيع الإصلاح أو الإنصاف، بصدق وبقدر الحاجة، فليس من الإفشاء المحرّم؛ فحفظ أسرار البيت لا يعني منع المظلوم من طلب العون.

إقحام الأبناء في الخصومة

ومن الظلم جعل الأبناء وسيلة لإيذاء أبيهم: بتلقينهم إهانته، أو تشويه صورته بالكذب، أو حملهم على الاختيار بين أبويهم. والطفل ليس طرفًا في خصومة الكبار، ولا ذنب له فيما وقع بينهم.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. فليُحفظ للأبناء أمنهم وحقهم في الرعاية، ولا تُنقل إليهم تفاصيل الخلاف لإثارة الكراهية والانتقام.

الحذر من دعوة المظلوم

على المرأة التي تظلم زوجها أن تحذر عاقبة ظلمها ودعوته عليها بحق؛ فإن حرمة الظلم لا تزول داخل الزواج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»، متفق عليه، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

فلا تغترّ امرأة بسكوت زوجها، ولا بطول صبره، ولا بتأييد أهلها لها؛ فقد يسكت حفظًا لأبنائه، وقلبه يتألم. وفي المقابل، ليس مجرد غضب الزوج دليلًا على أنه مظلوم؛ فالعبرة بحقيقة الفعل والحق، لا بادعاء أحد الطرفين.

التوبة إصلاحٌ وردٌّ للحقوق

أيتها الزوجة، إن وجدتِ شيئًا من ذلك في نفسك، فبادري بالتوبة، ولا تنتظري انهيار البيت حتى تعرفي قيمة ما ضاع. اتركي الأذى، واعتذري عن الإساءة، وردّي الحقوق، وصححي الكلام الباطل الذي نشرتِه. ولا يكفي وعد يتكرر ثم يعود بعده الظلم كما كان.

وإذا عجزتما عن الإصلاح وحدكما، فاطلبا تحكيمًا عادلًا؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].

فالزوج أمانة، وكرامته مصونة، وحقوقه لا تسقط بالخصومة. ومن صدق تقوى المرأة أن تحفظ لسانها ويدها، وأن تعدل عند الغضب، وأن ترجع إلى الحق إذا أخطأت. نسأل الله أن يصلح بيوت المسلمين، ويردّ الظالم إلى العدل، ويجبر قلوب المظلومين.

كتبه فضيلة الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي، حفظه الله تعالى.