الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
ضيف الموقع

عالمٌ جعل التعليم سبيلًا لإصلاح الجزائر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله من أبرز علماء الجزائر ومصلحيها في القرن العشرين. جمع بين العلم الشرعي والتمكن من اللغة العربية والكتابة البليغة، وسخّر قلمه ودروسه للدفاع عن دين الجزائريين ولغتهم في زمن الاحتلال الفرنسي.

نشأته وطلبه للعلم

وُلد الإبراهيمي سنة ١٨٨٩م في نواحي سطيف، ونشأ في أسرة عُرفت بالعلم. حفظ القرآن الكريم، ودرس العربية وعلوم الشريعة في صغره، وكان لعمّه الشيخ المكي الإبراهيمي أثرٌ ظاهر في تعليمه. ثم رحل إلى المشرق، فأقام في المدينة النبوية، وواصل فيها طلب العلم والتدريس. وهناك التقى الشيخ عبد الحميد بن باديس، ونشأت بينهما صلة علمية وإصلاحية كان لها أثر كبير في تاريخ الجزائر.

عمله في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

شارك الإبراهيمي في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة ١٩٣١م، وانتُخب نائبًا لرئيسها الشيخ عبد الحميد بن باديس. عمل مع إخوانه العلماء على نشر التعليم العربي والإسلامي، وإنشاء المدارس، وتوعية الناس بدينهم وتاريخهم. ولم يرَ التعليم عملًا منفصلًا عن إصلاح المجتمع؛ بل عدّه وسيلةً لحماية هوية الأمة وإعداد أبنائها للمستقبل.

وفي غرب الجزائر أشرف على نشاط تعليمي وإصلاحي، ومنه مدرسة دار الحديث بتلمسان. ضيّقت عليه سلطات الاحتلال، ونفته إلى آفلو سنة ١٩٤٠م وفرضت عليه الإقامة الجبرية. وبعد وفاة ابن باديس في العام نفسه، اختارته الجمعية لرئاستها، ثم استأنف نشاطه بعد الإفراج عنه. وتُظهر هذه المرحلة أن التعليم والدعوة عنده لم يكونا مجرد خطب ومقالات، بل عملًا ميدانيًا واصلَه رغم المنع والنفي.

دعوته وقلمه

دعا الإبراهيمي إلى العناية بالقرآن والسنة، وتعلّم العربية، ومقاومة الجهل والخرافات. واهتم بتعليم الصغار والكبار، وبإعداد المعلمين ليكونوا قدوةً في علمهم وأخلاقهم. كما استعمل الصحافة في بيان أفكاره؛ فكانت مقالاته في «البصائر» تجمع بين قوة الحجة وجمال العبارة والاهتمام بقضايا الجزائر والعالم الإسلامي.

ولم تغب قضية تحرير الجزائر عن جهوده. سافر إلى المشرق في الخمسينيات، وعمل على التعريف بالقضية الجزائرية وكسب التأييد لها. وكان يرى أن مقاومة الاستعمار تحتاج، إلى جانب الكفاح السياسي، إلى بناء الإنسان بالعلم وإحياء ثقته بدينه ولغته.

آثاره ووفاته

ترك الشيخ مقالات وخطبًا ورسائل تشهد بسعة اهتمامه بالدين والتربية واللغة والأدب. وقد جمع ابنه الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي طائفةً من كتاباته في «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي»، الصادر في خمسة أجزاء. ومن آثاره كذلك «عيون البصائر»، الذي يضم مقالات نُشرت في الجريدة.

توفي رحمه الله في ٢٠ مايو ١٩٦٥م. وبقيت سيرته مثالًا لعالم ربط التعليم بالإصلاح، وجعل الدفاع عن الدين واللغة جزءًا من خدمة وطنه. نسأل الله أن يغفر له، ويرفع درجته، ويجزيه خيرًا عما قدّم من علم ونصح.

كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي حفظه الله تعالى