الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كان والدي علي حسان بليدي رحمه الله من رجال التعليم في الجزائر. أمضى جانبًا كبيرًا من حياته في تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية، وتعلّم على يديه عدد كبير من التلاميذ. وكان يرى في التعليم مسؤوليةً تتجاوز تلقين الدروس إلى العناية بتربية الناشئة وربطهم بلغتهم ودينهم.
كان والدي رجلًا يعتني بالتربية ويحب الدين. وقد لمستُ ذلك في اهتمامه بتعليمي وتشجيعي على طلب العلم الشرعي. وكان يرافقني ويهتم بما أكتب؛ فإذا سافر، حرص على اقتناء الكتب التي ألّفتها والعناية بها. كانت تلك اللفتات تعني لي كثيرًا، لأنها تُشعر الابن بأن والده يتابع عمله ويقدّره.
وكان رحمه الله ينتقد الغلو والتطرف في الدين، ويكثر من نصحي في هذا الباب. كان يخشى عليّ أن أقع في التشدد، فبقيت نصيحته حاضرةً في نفسي. والحمد لله، حرصتُ في طلبي للعلم ودعوتي على لزوم الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، من غير غلوٍّ ولا تطرف. وكان لتوجيهه أثر في تذكيري بذلك.
وترتبط سيرته كذلك بتاريخ أسرتنا وتاريخ الجزائر. فقد شارك والده، جدي، في قتال الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائرية، وأسهم والدي في تلك المرحلة بمساعدة المجاهدين. وأذكر موقفهما باحترام واعتزاز، مستحضرًا ما بذلته أسر جزائرية كثيرة في سبيل استقلال بلدها.
وبعد سنوات من التدريس، تولّى والدي مسؤوليات في إدارة التربية بولاية المدية والجزائر العاصمة. وكان أيضًا عضوًا في المجلس الشعبي الوطني، ثم أُحيل إلى التقاعد. وهكذا جمعت مسيرته بين تعليم الأجيال، والعمل في شؤون التربية، وخدمة الناس.
وفي آخر حياته، بقيتُ معه أحد عشر يومًا في المستشفى، وكنت أنام إلى جواره. وفي لحظاته الأخيرة كان بين ذراعيّ، وأنا أقرأ عليه من سورة الضحى: ﴿وَالضُّحَىٰ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾، حتى بلغتُ قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، ففاضت روحه رحمه الله. ثم توليتُ غسله وتكفينه ودفنه. إنها لحظات لا تفارق ذاكرتي، أسأل الله أن يجعل ما قرأته عنده رحمةً وسكينةً له.
أكتب هذه الكلمات وفاءً لوالدي، وحفظًا لذكرى ما قدّمه لأسرته وتلاميذه، ولما بذله هو وجدي من أجل الجزائر. وقد سُمّي المسجد الذي أخطب فيه جامع علي حسان بليدي، تخليدًا لذكراه.
أسأل الله أن يغفر لوالدي وجدي، وأن يرحمهما رحمة واسعة، ويجزيهما خيرًا عما قدّما، ويرفع درجتيهما، وأن ينفع تلاميذ والدي بما تعلّموه على يديه.
ابنه: الدكتور أبو إسلام سليم حسان بليدي