الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
أهمية اللغة العربية لفهم نصوص الوحي

الحمد لله الذي أنزل القرآن بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، أفصح العرب لسانًا، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي لغة القرآن الكريم والسنة النبوية، والمفتاح الأساس لفهم نصوص الوحي واستنباط أحكامها ومعرفة مراد الله تعالى ومراد رسوله ﷺ.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[يوسف: 2].

وقال سبحانه:

﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾
[الشعراء: 195].

فقد اختار الله العربية لغةً لكتابه، ووصفها بالإبانة والوضوح. ومن أراد فهم القرآن فهمًا صحيحًا، فلا غنى له عن معرفة دلالات ألفاظها وأساليبها وقواعدها.

العربية مفتاح فهم القرآن والسنة

نزل القرآن بلغة العرب، وجاءت السنة النبوية شارحةً له بهذه اللغة. ولذلك فإن فهم النصوص الشرعية يتوقف على معرفة معاني الكلمات، وتراكيب الجمل، وأساليب الأمر والنهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والمنطوق والمفهوم.

وقد تتغير دلالة الكلام بتغير حركة واحدة أو تركيب نحوي واحد؛ فالنحو يبين الفاعل من المفعول، والصرف يكشف أصل الكلمة وبنيتها، والبلاغة توضح أسرار التعبير، وأصول الفقه تضبط دلالات الألفاظ على الأحكام.

ومن جهل هذه العلوم قد يقرأ النص ولا يفهمه، أو يفهم منه خلاف مراد الشارع، ثم يبني على فهمه الفاسد حكمًا أو فتوى أو اعتقادًا منحرفًا.

علوم العربية من أدوات المفسر والفقيه

لا يكفي لمن يتصدر للتفسير أو الفتوى أن يعرف التحدث بالعربية أو يفهم معانيها العامة؛ بل لا بد له من علم منضبط بقواعدها، ومن أهم علومها:

  • علم النحو، لمعرفة وظائف الكلمات وعلاقاتها داخل الجملة.

  • علم الصرف، لمعرفة أبنية الكلمات وما تدل عليه صيغها.

  • علم اللغة، لمعرفة معاني الألفاظ واستعمالات العرب.

  • علم البلاغة، بما يشتمل عليه من المعاني والبيان والبديع.

  • علم الاشتقاق، لمعرفة أصول الكلمات والروابط بين معانيها.

  • معرفة أساليب العرب في الخطاب، كالحذف والتقديم والتأخير والتوكيد والاستثناء والكناية.

  • معرفة أشعار العرب وكلامهم الذي يُستعان به على تفسير الألفاظ والأساليب الواردة في الوحي.

ولهذا جعل العلماء معرفة العربية من شروط المفسر والمجتهد؛ إذ كيف يفسر الإنسان كتابًا لا يعرف لسانه، أو يستنبط حكمًا من نص لا يضبط دلالاته؟

قال الإمام الشافعي رحمه الله:«فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله».

وبيّن رحمه الله أن الجهل بسعة لسان العرب وأساليبه كان سببًا في وقوع طوائف من الناس في الشبهات والانحراف.

فهم الصحابة للنصوص

كان الصحابة رضي الله عنهم أفهم الناس للقرآن بعد رسول الله ﷺ؛ لأنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا أسباب النزول، وكانوا أهل اللسان الذي نزل به القرآن، مع سلامة عقيدتهم وصدق إيمانهم.

ولهذا لا يصح فصل اللغة العربية عن فهم السلف، فمجرد المعرفة اللغوية لا تكفي إذا استُعملت في مخالفة تفسير الصحابة والتابعين. والفهم الصحيح يقوم على ثلاثة أصول مترابطة:

  • صحة الاعتقاد والمنهج.

  • معرفة اللغة العربية وعلومها.

  • الرجوع إلى تفسير السلف وأقوال أئمة الهدى.

فاللغة أداة للفهم، وتفسير السلف ميزان يمنع الانحراف والتكلف وتحميل النصوص ما لا تحتمل.

خطر التفسير بغير علم بالعربية

من أخطر أبواب القول على الله بغير علم أن يتصدر الإنسان لتفسير القرآن أو شرح الحديث وهو ضعيف في اللغة العربية، لا يعرف النحو ولا الصرف ولا دلالات الألفاظ.

قال الله تعالى:

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].

وقد يؤدي الجهل باللغة إلى أخطاء خطيرة، منها:

  • تحريف معاني الآيات والأحاديث.

  • الاستدلال بالنص في غير موضعه.

  • الخلط بين العام والخاص والمطلق والمقيد.

  • عدم التفريق بين الخبر والأمر، أو بين النهي والتحريم والكراهة.

  • تفسير الألفاظ الشرعية بالمعاني العصرية وحدها.

  • مخالفة إجماع السلف بسبب فهم لغوي ناقص أو متكلف.

  • إصدار الفتاوى الباطلة المبنية على قراءة سطحية للنصوص.

ولذلك لا يجوز أن يُجعل حسن الصوت أو الفصاحة الخطابية أو كثرة المتابعين دليلًا على أهلية صاحبه للتفسير والفتوى؛ فقد يكون الإنسان بليغًا في كلامه، لكنه يجهل أبسط قواعد الاستنباط وفهم لسان العرب.

العناية بالعربية من حفظ الدين

إن إضعاف اللغة العربية في نفوس المسلمين يؤدي إلى إبعادهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ، ويجعلهم أسرى للترجمات والفهوم المنقولة. والترجمة، مهما بلغت دقتها، تنقل بعض المعاني ولا تستطيع أن تقوم مقام النص العربي في جميع دلالاته وأسراره.

ومن واجب الأسر والمساجد والمدارس والمعاهد الإسلامية أن تعتني بتعليم العربية، ولا سيما لأبناء المسلمين في البلاد غير العربية، حتى تبقى صلتهم بالقرآن والسنة قوية، ويحفظوا هويتهم ودينهم.

ولا يعني ذلك إهمال اللغات الأخرى؛ فتعلمها قد يكون نافعًا أو ضروريًا، ولكن لا ينبغي أن يكون على حساب لغة الوحي، ولا أن ينشأ المسلم وهو يحسن لغات متعددة ثم يعجز عن قراءة كتاب الله وفهم معانيه.

خاتمة

اللغة العربية وعاء الوحي ومفتاح فهمه، والعناية بها عناية بالقرآن والسنة. ولا يستغني عنها مفسر ولا فقيه ولا محدث ولا طالب علم.

لكنها ليست منفردةً كافية؛ بل يجب أن تجتمع مع صحة العقيدة، ومعرفة السنة، وفهم السلف، والتلقي عن العلماء الراسخين. فمن جمع بين هذه الأصول كان أقرب إلى فهم النصوص فهمًا صحيحًا، ومن تكلم في الوحي بغير علم بالعربية ولا رجوع إلى السلف عرّض نفسه للزلل والقول على الله بغير علم.

نسأل الله أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا لغة كتابه، وأن يرزقنا فهم القرآن والسنة على منهج الصحابة والتابعين، وأن يحفظ ألسنتنا من القول عليه بغير علم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى

الكلمة الشهرية
دكتوراه الشريعة الإسلامية: معناها ومكانتها العلمية

أقرأ المزيد
القائمة البريدية