الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
إلى تجّار التفاهة وفضائح المنصّات: تذكّروا الموت والقبر والحساب

 

لقد تحوّلت بعض وسائل التواصل الاجتماعي عند فئة من الناس إلى أبوابٍ لنشر التفاهة، وكشف العورات، وإماتة الحياء، والمتاجرة بالأعراض. يخرج رجال ونساء أمام آلاف المشاهدين يرقصون ويلعبون ويتمايلون، ويعرضون أجسادهم وحياتهم الخاصة من أجل المال والشهرة وزيادة المتابعين، وكأن الإنسان خُلق ليكون سلعةً رخيصة تُباع كرامته بعدد المشاهدات!

وأشد من ذلك أن يقوم بعضهم بفضح بعض، ونشر الأسرار والمحادثات والصور، وإشعال الخصومات على الملأ؛ فيسمعهم الصغير والكبير، والمرأة والرجل، ولا يبالون بما يهدمونه من بيوت، ولا بما يزرعونه من فتن وأحقاد.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النور: 19].

أتبيع دينك وحياءك من أجل المال؟

يا من جعلت جسدك وحركاتك وخصوصياتك وسيلةً لجمع المال: أتبيع حياءك من أجل هدية إلكترونية أو عدد من المشاهدات؟ أتستبدل رضا الله بتصفيق المتابعين؟ أتفرح بانتشار مقطع قد يكون شاهدًا عليك يوم القيامة؟

قد تموت، ويبقى المقطع بعد موتك يتناقله الناس، فتُكتب عليك سيئاته ما دام يفتن المشاهدين ويدعوهم إلى الحرام. قال رسول الله ﷺ:

«وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»
رواه مسلم.

فكم من إنسان دُفن جسده، ولكن صفحته ما تزال تنشر موسيقى محرمة، أو رقصًا، أو فحشًا، أو سخريةً، أو فضائح! مات صاحب الحساب، ولم تمت آثاره السيئة.

المجاهرة بالمعصية ليست شجاعة

من الخطير أن يتحول ارتكاب المعصية أمام الناس إلى أمرٍ عادي، وأن يفتخر المرء بما كان يجب عليه أن يستتر منه ويتوب إلى الله بسببه. قال النبي ﷺ:

«كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ»
متفق عليه.

فالمعصية في الخفاء ذنب يحتاج إلى توبة، أما إعلانها وتزيينها للناس ودعوتهم إليها، فيجمع إلى ذنب المعصية ذنب المجاهرة، وربما ذنب إفساد الآخرين.

ولا تقل: «هذه حياتي وأنا حر». فلست حرًّا في مخالفة أمر الله، ولا في إفساد أخلاق الناس، ولا في نشر الفاحشة بين أبناء المسلمين. أنت عبد لله، وسوف تقف بين يديه وحدك:

﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾
[مريم: 95].

أين الآباء والأمهات والأهل؟

والسؤال المؤلم: أين آباء هؤلاء وأمهاتهم؟ أين إخوانهم وأخواتهم وأعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم؟ أين الغيرة على الدين والعرض والكرامة؟

كيف يرى الأب أو الأم ابنهما أو ابنتهما يعرضان نفسيهما أمام الغرباء، ثم يصمتان؟ وكيف يرى الأخ أخته أو أخاه ينشران الفضائح والمنكرات، ثم لا ينصح ولا يذكّر؟

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[التحريم: 6].

وقال النبي ﷺ:

«كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
متفق عليه.

واجب الأسرة أن تنصح بالحكمة والحزم، وألا تشجّع صاحب المنكر، ولا تموّل باطله، ولا تتفاخر بشهرته المحرمة. وليس المقصود الاعتداء عليه أو ظلمه، وإنما إنقاذه بالنصيحة، والتربية، والتذكير بالله، ومنع الإعانة على الحرام.

ومع ذلك، فكل بالغ عاقل مسؤول عن عمله، ولا تتحمل الأسرة ذنبه إذا قامت بما تستطيع من النصيحة والإنكار؛ قال تعالى:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
[الأنعام: 164].

فضح الناس جريمة وليس محتوى

أما الذين يجعلون خصوماتهم وأسرار بيوتهم مادةً للفرجة، فيفضح الرجل المرأة، وتفضح المرأة الرجل، ويكشف الصديق سر صاحبه، وينشر أحدهم التسجيلات والصور ليجمع المتابعين؛ فليتقوا الله.

ليس كل ما تعرفه يجوز نشره، وليس كل خلاف يجوز عرضه على الناس. إن أعراض المسلمين ليست سلعة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة. ومن تتبع عورات الناس أو بهتهم أو قذفهم أو شوّه سمعتهم، فقد جمع على نفسه أبوابًا من الظلم قد لا تكفيه حسناته للخلاص من حقوق أصحابها يوم القيامة.

وفي الحديث:

«أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» ثم بيّن النبي ﷺ أنه يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فتُعطى حسناته للمظلومين، فإن فنيت طُرح عليه من سيئاتهم ثم طُرح في النار.
رواه مسلم.

فهل تستحق لحظة غضب أو شهرة عابرة أن تأتي يوم القيامة مفلسًا؟

ستنتهي الشاشة ويبدأ الحساب

يا من تقضي ساعاتك في الرقص والعبث وجمع المشاهدات: سيأتي يوم تُطفأ فيه شاشتك إلى الأبد، ويُغلق حسابك، ويوضع هاتفك جانبًا، ويغسّل جسدك، ويحملك الناس إلى قبرك.

قال الله تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[آل عمران: 185].

سيفارقك المتابعون، ولن يدخل معك القبر عدد المشاهدات، ولا الأموال، ولا الشهرة. قال النبي ﷺ:

«يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ؛ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ»
متفق عليه.

فتأمل: سيعود الأهل، ويُقسم المال، وينشغل المتابعون بغيرك، ولا يبقى معك إلا عملك.

والقبر أول منازل الآخرة؛ فإما نعيم ورحمة، وإما عذاب وحسرة. فلا تغتر بإمهال الله، فإن تأخير العقوبة لا يعني الغفلة عنك:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
[إبراهيم: 42].

احذف الحرام قبل أن يحذفك الموت

باب التوبة مفتوح ما دامت الروح في الجسد. فبادر الآن، ولا تقل: سأتوب غدًا؛ فأنت لا تملك غدًا.

احذف المقاطع المحرمة، وأغلق أبواب الفتنة، وردّ الحقوق إلى أصحابها، واطلب المسامحة ممن ظلمتهم أو فضحتهم، وتبرأ من المحتوى الفاسد، وانشر بدلًا منه ما ينفع الناس.

لا تيأس مهما كثرت ذنوبك؛ قال الله تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: 53].

ولكن التوبة ليست كلمات تقال باللسان؛ بل ندم على الماضي، وإقلاع عن الذنب، وعزم صادق على عدم العودة، وردّ للمظالم والحقوق.

كلمة أخيرة

أيها الرجال والنساء: اتقوا الله في أنفسكم وأعراضكم وأهليكم. لا تجعلوا منصات التواصل أسواقًا لبيع الحياء، ولا تجعلوا أجسادكم وخصوماتكم وأسراركم وسيلةً لجمع المال.

ويا أيها الآباء والأمهات والأقارب: أدركوا أبناءكم قبل أن تبتلعهم الشهرة الزائفة، وربّوهم على مراقبة الله، ولا تتركوهم فريسةً للمتابعين وأصحاب المصالح.

اليوم تستطيع أن تحذف المقطع وتتوب، أما إذا نزل بك الموت فلن تستطيع العودة ولو دقيقة واحدة:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾
[المؤمنون: 99-100].

اللهم استر عورات المسلمين، وآمن روعاتهم، واهد شبابهم ونساءهم، واحفظ أبناءهم من الفتن، وارزق المذنبين توبةً صادقة قبل الموت، واجعل وسائل التواصل أبوابًا للخير لا أبوابًا للفجور والفضائح.

كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى