الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
العقيدة أولًا بقلم الشيخ الدكتور أبي إسلام سليم بن علي حسان بليدي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

العقيدة هي أصل الدين وأساسه؛ بها يعرف العبد ربَّه، ويعلم لماذا خُلق، ولمن يصرف عبادته. وأعظم مسائلها توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، والإيمان بما أخبر به في كتابه وما صحّ عن رسوله ﷺ. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].

العقيدة أولًا؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام ابتدؤوا دعوتهم بالتوحيد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وحين بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، قال له: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري]. فجعل تعليم التوحيد بداية الدعوة، ثم أمره أن يعلّمهم الصلاة والزكاة.

والقول بتقديم العقيدة لا يعني إهمال الصلاة، أو الأخلاق، أو حقوق الناس. بل يعني أن تُبنى هذه الأعمال على الإيمان الصحيح والإخلاص لله، وأن تؤدَّى على هدي رسول الله ﷺ. فالصلاة عبادة عظيمة، والصدق والعدل وبر الوالدين من واجبات الدين؛ والتوحيد هو الأصل الذي يجمع ذلك كله ويوجّه القلب فيه إلى الله وحده. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢–١٦٣].

ومن حق العقيدة علينا أن نتعلمها من القرآن والسنة بفهم السلف الصالح، وأن نعلّمها لأهلنا وأبنائنا تعليمًا واضحًا رحيمًا. نعلّم الطفل معنى الشهادتين، وأن الدعاء عبادة تُصرف لله، وأن الله يسمعه ويراه، وأن محبة الله ورجاءه وخشيته والتوكل عليه أعمال قلبية يحتاج إليها في كل يوم. ثم نربطه بالصلاة وسائر الطاعات، ونبيّن له أن العلم النافع يظهر أثره في حسن العبادة وحسن الخلق.

وتحتاج الدعوة إلى العقيدة إلى علم وحكمة وصبر. فالمقصود هداية الناس إلى الحق، وبيان التوحيد لهم بأدلته، والتحذير من الشرك والبدع بقدر ما يقتضيه العلم والحال؛ مع العدل في الكلام، والرفق في التعليم، والحرص على جمع القلوب على الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥].

فلنبدأ بأنفسنا: نصحّح ما نعتقده، ونخلص عبادتنا لله، ونتعلم ما يجب علينا من ديننا، ثم ندعو أهلنا ومن حولنا بما علمنا، من غير ادعاء علمٍ لم نبلغه. نسأل الله أن يرزقنا التوحيد الخالص، والعلم النافع، والعمل الصالح، وأن يثبتنا على السنة حتى نلقاه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.