الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
الموت حقيقة يقينية، يشاهد الإنسان آثارها فيمن حوله، ثم قد يغفل عن قربها منه. يودّع قريبًا، ويسمع برحيل صديق، ويمرّ بالمقابر، ثم يعود إلى مشاغله كأن الرحيل كُتب على غيره. والعاقل يجعل هذه المشاهد موعظة توقظ قلبه، وتدفعه إلى إصلاح عمله والاستعداد للقاء ربه.
لا يعلم الإنسان متى تنتهي أيامه، ولا أين يكون آخر عهده بالدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. ولذلك كان تأخير التوبة اعتمادًا على مستقبل مجهول، وتسويف الطاعة تفريطًا في فرصة حاضرة.
ما الذي يبقى للإنسان؟
يجتهد الناس في جمع الأموال، وبناء البيوت، وتحقيق المكانة، وقد ينشغل بعضهم بذلك عن الغاية التي خُلقوا من أجلها. فإذا جاء الموت انقطعت قدرتهم على التصرّف فيما جمعوا، وبقيت مسؤوليتهم عمّا قدّموا.
والمال قد يكون بابًا للأجر إذا اكتُسب من حلال، وأُدّيت حقوقه، وأُنفق في الخير. كما أن الصحة والوقت والعلم والمكانة فرص للعمل الصالح. فالمؤمن يستعمل نعم الله فيما ينفعه وينفع الناس، ويجعل له من أيامه زادًا للآخرة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
فلينظر الإنسان فيما قدّم: كيف حال صلاته؟ وهل يؤدّي الأمانات؟ وهل يصل رحمه؟ وهل يحفظ لسانه؟ وهل في ذمته مال أو حقّ لأحد؟ هذه أسئلة تعين على محاسبة النفس، وتحوّل تذكّر الموت إلى إصلاح عملي.
بادر بالتوبة وأداء الحقوق
ما دام الإنسان حيًّا قادرًا على العمل، فليغتنم فرصته. ليتب من الذنب، وليترك الإصرار عليه، وليندم على ما مضى، وليعزم على الاستقامة. وإن تعلّق الذنب بحقوق الناس، فليجتهد في ردّها وإصلاح ما أفسده.
من كان مدينًا فليوثّق دينه ويسعَ في أدائه، ومن كانت عنده أمانة فليحفظها ويردّها، ومن ظلم أحدًا فليبادر إلى رفع الظلم. ومن قصّر في حق والديه أو أهله فليبدأ بالإحسان إليهم اليوم؛ فقد يأتي وقت يتمنّى فيه كلمة طيبة أو زيارة أو اعتذارًا، ولا يجد إلى ذلك سبيلًا.
ولا يستصغر العبد عملًا صالحًا؛ فقد يفتح الله له باب خير بكلمة صادقة، أو صدقة خفية، أو تعليم نافع، أو مواساة محتاج. والعمر يُعمَر بالطاعة حين يحرص صاحبه على الخير ويثابر عليه.
تذكّر الموت مع الرجاء في رحمة الله
تذكّر الموت ينبغي أن يوقظ القلب ويبعثه على التوبة، مع حسن الظن بالله والرجاء في رحمته. فمن كثرت ذنوبه فليُقبل على ربه، ولا يجعل ماضيه حاجزًا يمنعه من الإصلاح.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
فهذا النداء يفتح للمذنب باب العودة. وليكن رجاؤه مصحوبًا بصدق التوبة والعمل؛ يستغفر، ويصلح، ويحافظ على الفرائض، ويجاهد نفسه في ترك المعاصي. والمؤمن يسير إلى الله بقلب يجمع الخوف والرجاء، ويسأله الثبات وحسن الخاتمة.
الاستعداد للموت يبدأ من الحياة
الاستعداد للموت يكون بإصلاح الحياة: عبادة صحيحة، ونيّة صادقة، ومعاملة عادلة، وأداء للحقوق. ومن تعلّم أمر دينه وعمل به، وأحسن إلى الخلق، وراجع نفسه، فقد أخذ بأسباب الاستقامة.
فيا عبد الله، اغتنم يومك؛ فإن ما مضى من عمرك لا يعود. اجعل لك نصيبًا من القرآن، وحافظ على صلاتك، وأصلح ما بينك وبين الناس، وبادر إلى الخير الذي تستطيع. واسأل الله أن يبارك لك في عمرك، وأن يجعله معمورًا بطاعته.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا توبة صادقة، وثبّتنا على الإيمان، وأحسن خاتمتنا، وارحم موتانا وموتى المسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي