الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ. إنَّ التفقه في الدين من أعظم أسباب الخير، قال النبي ﷺ: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين» متفق عليه. فبالعلم يعرف العبد ربَّه، ويُميّز بين الحق والباطل، والسنة والبدعة. والعلم في الإسلام يسبق العمل، ولا يُقبل عملٌ إلا إذا كان مبنيًا على علمٍ صحيح. فاحرص على تعلّم دينك، واعبدِ الله على بصيرة، فإن العلم النافع طريقُ النجاة

المزيد
عذاب الله: تحذير يوقظ القلوب ويدعو إلى التوبة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩–٥٠].

جمعت هاتان الآيتان بين الرجاء والخوف؛ فالله سبحانه واسع المغفرة والرحمة، شديد العقاب. والمؤمن يتعبّد لله بمحبة ورجاء وخوف، فيرجو رحمته، ويخشى عقوبته، ويجتهد في طاعته. وإذا قرأ آيات الوعيد راجع نفسه، واستغفر ربّه، وبادر إلى إصلاح عمله.

إن الحديث عن عذاب الله تذكير بحقيقة أخبر بها الوحي، ودعوة إلى النجاة قبل انقضاء مهلة العمل. ومن رحمة الله بعباده أنه بيّن لهم طريق الخير، وحذّرهم من أسباب الهلاك، وفتح لهم باب التوبة.

الله لا يظلم أحدًا

عذاب الله قائم على عدله وحكمته؛ فلا يعاقب أحدًا ظلمًا، ولا يضيع عنده عمل. قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].

فالعبد مسؤول عن اختياره وعمله، والله يعلم ظاهره وباطنه، وما قدر عليه وما عجز عنه. ولذلك يجب الحذر من إطلاق الأحكام على مصائر الأشخاص بغير علم 

وكذلك لا يصح الجزم بأن كل مرض أو خسارة أو مصيبة تصيب إنسانًا هي عقوبة على ذنب؛ فقد تكون ابتلاءً وتكفيرًا ورفعةً للدرجات. والواجب أن ينتفع المسلم بما يصيبه في الصبر والتوبة ومحاسبة النفس، وأن يرحم المبتلى ويعينه.

أسباب الوعيد وخطر الإصرار

أعظم ما يجب الحذر منه الشرك بالله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وهذا فيمن مات على الشرك دون توبة؛ أما من تاب توبة صادقة، فإن باب المغفرة مفتوح له.

ومن أسباب الوعيد ظلم الناس، والاعتداء على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وأكل الحقوق، والخيانة، وسائر المعاصي التي حذّر الله منها. ويزداد خطر المعصية حين يألفها صاحبها، ويصرّ عليها، ويستصغر شأنها، ويؤجّل الرجوع إلى الله.

قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].

فإمهال الظالم لا يدل على غفلة عن ظلمه، وما يملكه من قوة أو مال لا يُسقط عنه المسؤولية. وليبادر كل من اعتدى على حقّ إلى ردّه، وكل من آذى إنسانًا إلى إصلاح ما أفسده.

لا تغترّ بالمهلة

قد يواصل الإنسان المعصية، وهو يتمتّع بالصحة والمال، فيظن أن حاله دليل على رضا الله عنه. وهذا ظنّ ينبغي الحذر منه؛ فالنعمة تستوجب الشكر، والمهلة تستوجب المبادرة إلى التوبة.

قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].

فلا تجعل سلامتك اليوم سببًا للاستهانة بالذنب، ولا تجعل امتداد عمرك حجّة لتأخير الإصلاح. اغتنم قدرتك على العمل، وراجع ما بينك وبين ربك، وما بينك وبين الناس.

الآخرة حق، والوعيد عظيم

أخبر الله عن عذاب الآخرة بما يوقظ القلوب ويقطع الغفلة، فقال سبحانه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۝ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥–٢٦].

ومن تأمّل هذا الوعيد عرف خطورة الوقوف بين يدي الله مع الإصرار على المعصية والظلم. فليكن تذكّر الحساب باعثًا على المحافظة على الصلاة، واجتناب الحرام، وحفظ اللسان، وأداء الأمانات، والإحسان إلى الخلق.

التوبة طريق النجاة

مهما عظمت ذنوب العبد، فلا يجوز له أن ييأس من رحمة الله. قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].

والتوبة الصادقة تقتضي الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه. وإذا تعلّق الذنب بحقوق العباد، وجب السعي في ردّها أو طلب المسامحة بحسب طبيعة الحق.

فيا عبد الله، اجعل خوفك من عذاب الله دافعًا إلى الطاعة، واجعل رجاءك في رحمته باعثًا على العودة إليه. ابدأ بإصلاح ما تستطيع اليوم، ولا تنتظر وقتًا لا تعلم هل تدركه أم لا.

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ونسألك توبة صادقة، وقلبًا خاشعًا، وعملًا صالحًا. اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين، وأعنّا على أداء الحقوق، وارزقنا حسن الخاتمة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي