لقد ابتُلي الناس في هذا الزمان بأقوامٍ يتجرؤون على دين الله تعالى، فيتكلمون في العقيدة والفقه والحلال والحرام، ويصححون ويضعفون، ويرجحون ويبدّعون، وربما ضلّلوا العلماء وردّوا أقوالهم، وهم لم يتعلموا أصول العلم، ولم يعرفوا طرق الاستدلال، ولم يجثوا على ركبهم بين أيدي العلماء.
يظن أحدهم أن قراءة منشور، أو مشاهدة مقطع، أو حفظ كلمات متفرقة، تجعله أهلًا للفتوى والكلام في دين الله! فيقول ما يشاء، ويفسر النصوص بعقله وهواه، ثم ينسب ذلك إلى شريعة رب العالمين.
وهذا باب عظيم من أبواب الضلال، وجرأة شنيعة على الله تعالى؛ لأن المتكلم في الدين يخبر عن مراد الله وحكمه، ويقول للناس: هذا حلال وهذا حرام، وهذا حق وهذا باطل. فمن فعل ذلك بلا علم فقد جعل نفسه موقِّعًا عن رب العالمين من غير بينة ولا برهان.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: 33].
فقرن الله تعالى القول عليه بغير علم بالفواحش والإثم والبغي والشرك؛ لما يترتب عليه من تحريف الدين، وإضلال الخلق، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال.
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[النحل: 116-117].
فليتأمل المتجرئ على الفتوى هذا الوعيد: ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فأي وعيد بعد هذا الوعيد؟ وأي جرأة أعظم من أن ينسب المرء إلى الله حكمًا لم يقله الله ولم يثبت عن رسوله ﷺ؟
وقال عز وجل:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
[الإسراء: 36].
فالعبد مسؤول عن أقواله وفتاواه ومنشوراته ومقاطعه، ولن تنفعه يوم القيامة كثرة المتابعين ولا إعجاب الناس به؛ وإنما سيسأل بين يدي الله عما قال ونشر، وعمن أضلّهم بجهله.
إن خطأ الجاهل لا يقف عند صاحبه، فقد ينشر كلمةً باطلة يسمعها الآلاف، فيعملون بها وينقلونها إلى غيرهم، فيتحمل من أوزارهم بقدر ما تسبب فيه من الضلال.
قال النبي ﷺ:
«وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»
رواه مسلم.
فاحذر أن تلقى الله وأنت تحمل أوزار أناس أضللتهم بفتوى جاهلة، أو تفسير فاسد، أو حديث مكذوب، أو حكم شرعي تكلمت فيه بهواك.
وقال رسول الله ﷺ:
«مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
متفق عليه.
فكيف يجرؤ مسلم على نسبة كلام إلى النبي ﷺ قبل أن يتحقق من صحته؟ وكيف ينشر الأحاديث المكذوبة والضعيفة جدًا، ثم يحتج بها في دين الله وكأن الأمر لا حساب فيه ولا عقوبة؟
قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»
متفق عليه.
فلم يصفهم النبي ﷺ بأنهم ضلوا وحدهم، بل قال: «فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»؛ لأنهم جمعوا بين الجهل والجرأة، وبين فساد العلم وحب التصدر.
والمصيبة ليست دائمًا في أن يجهل المرء؛ فكل إنسان يجهل أمورًا، ولكن المصيبة أن يجهل ثم يتكبر عن قول: «لا أعلم»، ويتقدم بين يدي العلماء، ويتحدث في النوازل العظيمة والمسائل الدقيقة بثقة الجاهل وجرأة المتعالم.
كان أئمة الإسلام، مع سعة علمهم، يتوقفون في مسائل كثيرة ويقولون: «لا أدري». ولم يكونوا يرون ذلك نقصًا، بل كانوا يعدونه دينًا وورعًا وخوفًا من الله.
أما المتعالم اليوم، فقد يُسأل عن عشرات المسائل فيجيب عنها كلها، وكأنه أحاط بالشريعة علمًا! لا يتوقف، ولا يتثبت، ولا يرجع إلى أهل العلم، ولا يخشى أن يزل فيُضل غيره.
قال الله تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[النحل: 43].
فلم يأمر الله بسؤال كل من اشتهر في وسائل التواصل، ولا كل من حسنت عبارته وارتفع صوته، وإنما أمر بسؤال أهل الذكر: العلماء المعروفين بالعلم والفقه والأمانة والاستقامة.
دين الله مبني على الوحي: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بفهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان. وليس الدين مجالًا ليقول كل إنسان ما يعجبه، أو يخضع النصوص لرأيه وثقافته وذوقه.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[الحجرات: 1].
فمن قدّم عقله وهواه على النص، أو ردَّ الحديث الصحيح لأنه لم يوافق ذوقه، أو حرّف معاني القرآن لتوافق أفكاره؛ فقد عرّض نفسه لخطر عظيم.
ليس كل من تكلم في الدين عالمًا، وليس كل من لبس لباس أهل العلم من أهل العلم، وليس كل صاحب شهادة مؤهلًا للفتوى. إنما العلم خشيةٌ وتأصيلٌ وتلقٍّ وصبرٌ ومعرفةٌ بالكتاب والسنة وأقوال السلف وقواعد الاستنباط.
يا من تتكلم في دين الله بلا علم: اتق الله في نفسك وفي المسلمين. لا تجعل طلب الشهرة سببًا في هلاكك، ولا تجعل إعجاب الناس ومتابعتهم لك حجابًا يحول بينك وبين التوبة.
واعلم أن الكلمة قد تُكتب في لحظة، لكنها تبقى بعد موت صاحبها، وأن المقطع قد ينتشر في الآفاق، فتتراكم على ناشره السيئات وهو في قبره.
لا تقل: «أنا أرى»، و«أنا أظن»، و«هذا لا يدخل عقلي» في مقابلة النصوص الشرعية. أنت عبد لله مأمور بالاتباع، ولست مشرّعًا تضع للناس من الدين ما تشاء.
تب إلى الله، وامحُ ما نشرته من الباطل، وبيّن للناس رجوعك، والزم غرز العلماء، وتعلم قبل أن تتكلم؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
لا تأخذوا دينكم عن المجاهيل والمتعالمين وأصحاب المقاطع المثيرة. وانظروا عمن تأخذون عقيدتكم وعبادتكم وحلالكم وحرامكم؛ فإن هذا العلم دين.
لا تغتروا بفصاحة اللسان، ولا بكثرة المشاهدات والمتابعين، ولا بالألقاب التي يصنعها الناس لأنفسهم. زِنوا الأقوال بالكتاب والسنة وفهم السلف، واسألوا العلماء الثقات.
ومن سُئل عما لا يعلم فليقل بصدق وشجاعة: لا أعلم؛ فإنها نجاة له، وخير من جواب يضل به نفسه والناس.
إن القول على الله بغير علم جريمة في حق الدين، وسبب لتحريف الشريعة وإضلال العباد، وقد توعد الله فاعله بنفي الفلاح والعذاب الأليم.
فليحذر المتصدرون بغير علم، وليعلموا أنهم موقوفون بين يدي الله، ومسؤولون عن كل كلمة قالوها، وكل فتوى أصدروها، وكل إنسان أضلوه.
قال الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
[ق: 18].
اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأعذنا من القول عليك بغير علم، واحفظ المسلمين من دعاة الجهل والضلال، وارزقنا تعظيم كتابك وسنة نبيك ﷺ، ولزوم سبيل السلف الصالح.
كتبه: الشيخ الدكتور أبو إسلام سليم بن علي حسان بليدي
حفظه الله تعالى